الثلاثاء، ٣٠ سبتمبر ٢٠٠٨

كل عام وأنتم بألف خير





السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أسأل الله أن يعم الخير والأمن على الأمة وأن يأتي العيد القادم وقد تحرر المسجد الأقصى

الثلاثاء، ٢ سبتمبر ٢٠٠٨

الشيطان يطمإن على الأمة


رمضان ينادي ..(1)


يا باغي الخير أقبل
الحمد لله الذي بلغنا هذه الأيام المباركة ، الحمد لله حمدا كثيرا الذي بلغنا رمضان ، الحمد لله الذي رزقنا أبدانا تعيننا على الصيام و القيام و رزقنا عيونا تعيننا على قراءة القرآن , الحمد لله الذي رزقنا عقولا تعيننا على فهم القرآن , الحمد لله على نعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى .
- إن الناظر إلى أحوال الأمة يرى أن الأمة قد تفرق أبناؤها و تشتت دولها ولكن رمضان يأتي ليذكرنا أننا أمة واحده شعوبا و دولا و أن تفرقنا مهما طال فهو أمر طارئ على أمة الإسلام، فرمضان يجمع الأمة رغم أنف أعدائنا.
- يقدم علينا رمضان و معه كل الخير و معه كل المبشرات ومعه الصيام والقيام و قراءة القرآن والذكر ، يأتي رمضان و معه ذكريات النصر وذكريات الجهاد ، يأتي رمضان وهو يعلن للمسلمين أن موسم للطاعة قد بدأ ، وأن الرحمات تتنزل و الهبات توزع و أن هناك عتقاء من النار، ويا سعادة من أعتق ويا هناء من تعرض لنفحات الشهر الكريم ويا فرحة من بلغ ليلة القدر ومبلغ الأمل رضا رب العالمين.
- فالموفق من اغتنم الفرص و الموفق من بذل الجهد و الموفق من فهم القصد من الصيام و القيام والذكر و تلاوة القرآن أسأل الله أن يجعلنا من الموفقين ، وحيث أننا نعيش متساهلين في الطاعة ، مقترفين لكثير من المعاصي ، قليلي الانكسار بين يدي الله عز وجل ، ضعيفي الانقياد لله ، تطبق علينا الغفلة ، غير خائفين من سوء الحساب و العقاب وهذا حالنا لا يخفى على أحد وهذا موسم التوبة والعودة فهل نضيع الفرصة ؟
- وها هو رمضان يأتي بهداياه فهل نقبل هداياه و نعلن أن رمضان هذا العام هو بداية التغيير لنا و للأمة و هو بداية الانطلاق و بداية الأنعتاق من رتق العبودية عبوديه الأعداء وعبودية الذنوب وهو بداية تحرير الإنسان قبل تحرير الأرض .
- يا أمة الإسلام : أعلنيها صريحة مدوية أنه في رمضان هذا سيكون لكي مع الله شأن جديد وسيكون لكي من الأعمال رصيد ، وأن الله سبحانه وتعالى سيرى منك خيرا في رمضان هذا ، وفي هذا الشهر ستكون بداية النصر على الأعداء ، وستكون بداية العودة لمنهج السماء المنهج الحق الذي بعدنا عنه كثيرا .
- يا أخي في الإسلام : إن الله فرض الصوم علينا لغايات سامية وأهداف عليا ، وحتى يتقبل الله منا صومنا علينا أن نعرف ونفهم غاية الصيام والهدف منه ، ولعل أحد أهم الأهداف صناعة رجال أشداء يعيشون من أجل رضا الله عز وعينهم على جنان الله ، رجال لا تشغلهم شهوات البطن ولا شهوات الفرج ، رجال أظمئوا نهارهم وأيقظوا ليلهم ، عيونهم دامعة وقلوبهم خاشعة ، وألسنتهم مشغولة بذكر الخالق جل وعلا ، هم دائما أصحاب همم عالية .
- يروى في السير أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل ثلاث سرايا في رمضان من العام الثامن للهجرة المباركة بقيادة خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وسعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنهم جميعا وكانت السرية الأولى لهدم العزى والثانية لهدم سواع والثالثة لهدم مناه ، فهذه دعوة لكي نحطم الأصنام التي تعوقنا عن التقدم نحو الله عز وجل ، والأصنام في حياتنا كثيرة وعلى رأسها كثرة المعاصي وكثرة ارتكاب المحرمات والتخلف في جميع المجالات الذي نعيشه ليل نهار ، ومحاربة الله في الإعلام ولاسيما في رمضان ، ومحاربة الله على صفحات الإنترنت .
- رمضان ضيف عزيز جاءنا زائر وواجب علينا إكرام ضيفنا ، وسأحاول في هذه السلسلة أن نعيش سويا أجواء هذا الشهر الكريم وأسأل الله أن يتقبل منا صالح الأعمال وكل عام وأنتم بخير .

الخميس، ٣١ يوليو ٢٠٠٨

وجعلني مباركا أينما كنت - 2

(( فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير )) القصص 24
إن الإنسان الذي يريد أن تشمله البركة أينما حل وكذلك الذي يريد أن تشمل البركة المكان والزمان الذي يعيش فيه لابد وأن يتصف بصفات تؤهله لذلك وإن لم يكن يحمل هذه الصفات فعليه أن يغير من نفسه وأن يحاول أن يعيش بصفات جديدة وأن يقود عملية تغيير شاملة لنفسه ولمن حوله حتى يصل إلى نهضة شاملة لنفسه تقوده إلى أن ينهض بالأمة ويعيد لها أمجادها المفقودة . ولكن ما هي الصفات التي تجعل مني أو منك إنسانا مباركا أينما حل ؟ أعتقد أننا ممكن أن نتفق أو نختلف حول بعض الصفات لكننا لن نختلف في أن أول شيء لابد أن نعمله أنا وأنت هو أن نقود عملية تنظيمية صحيحة وحقيقية لحياتنا فكل منا لابد أن يكون منظما في شئونه أي أننا لابد أن نرتب حياتنا بالطريقة الصحيحة وأن نرتب أولوياتنا بشكل صحيح وسليم وأن تكون رؤيتنا لهذه الدنيا سليمة نعرف متى نفكر ومتى نتكلم ومتى نكتب ومتى ننفذ ومتى وكيف نتخذ قراراتنا بل ولابد أن نعرف جيدا من هو عدونا ومن هو صديقنا وهكذا فإن ترتيب حياتنا له الأولوية في جعلنا أناس مباركين أينما كنا .
ولذلك فإني أرى أن تحسين وتطوير طريقة التفكير هو مدخلنا إلى هذا الموضوع واسمحوا لي أن أقول إن من أكبر ما تعاني منه أمتنا هو اختفاء المفكرين لأن أهل الفكر في الأمة كانوا دائما هم القادة وهم أهل التطور المستمر وهم الذين صنعوا تقدم الأمة على منهج سليم وقوي وهو منهج ربنا عز وجل ، ولهذا فإن صناعة الفكر هي الصناعة المفقودة وهذه الصناعة فقدت بسبب رئيسي وهو ضياع الحرية ولأن الحرية هي الجو الوحيد المناسب لصناعة الفكر الراقي فلن تتقدم أمتنا خطوة إلا في جو من الحرية التي تتيح لأبناء الأمة الفكر والإبداع ، وكذلك لأن صناعة الفكر في أوطاننا مكلفة فصانع الفكر معرض لكثير من المضايقات إذا كانت صناعته راقية وتصب في نهضة الأمة .
ولقد اتفقنا في المقال السابق أن نبدأ أمرنا هذا بأن نمسك الورقة والقلم وأن نجيب على عدة أسئلة ولكنها إجابات مكتوبة ، أول سؤال ماذا أريد من هذه الحياة والثاني ماذا عن علاقتي بربي والثالث ماذا أريد من أمتي والرابع هل أنا أسير في الطريق الصحيح لنهضتي الشخصية ولنهضة الأمة التي أعيش على ثراها ومن الممكن صياغة الأسئلة بشكل آخر إذا أردنا ، ونسأل أنفسنا : أولا : ما هدفي الرئيسي من الحياة على وجه الأرض ، ثانيا : ما هدفي من عملي في مؤسسة كذا أو شركة كذا أو هيئة كذا ، ثالثا : ما هي أهدافي المرحلية خلال 5 أو عشر سنوات قادمة ، رابعا : ما هو هدفي من تربية أولادي وهل رقي أولادي هدف واضح أمامي ، خامسا : ما هي خطتي لتطوير نفسي علميا ، سادسا : ما هي خطتي لتطوير نفسي مهنيا وفنيا ، سابعا : هل عندي هواية خارج مجال عملي المهني ؟ وإن كان لدي هواية هل حاولت الاستفادة منها وهل حاولت ممارسة هوايتي وإسعاد الآخرين بها وهل حاولت أن تكون هوايتي عامل بناء لنهضة الأمة فهواية القراءة أو الكتابة أو التأليف أو استخدام النت من الممكن أن تصب كلها في نهضة الأمة .
إن هذه الأسئلة المفترضة والتي ذكرتها كأمثلة فقط هذه الأسئلة ممكن أن تضيف إليها أنت أسئلة أخرى كثيرة من واقع حياتك أنت ولكن عندما تضع الأسئلة ضعها وعينك على المستقبل ولا تحصر أسئلتك على ذاتك فقط ولكن اجعل لعائلتك ولمجتمعك ولدولتك ولأمتك نصيب من نفسك ومن وقتك ومن خططك ومن أهدافك واعلم أن بداية تحرر الأمة ونهضتها فكرة والفكرة تبدأ بكلمة فلا تقلل من نفسك وابدأ معي ربما تكون أنت رجل الأمة المنتظر فمن يعلم ، فقط ابدأ وخذ وقتك ولا تتعجل وإذا كتبت الأسئلة المناسبة وأجبت عليها إجابات واضحة وراجعت الإجابات مرات عديدة واقتنعت أخيرا بما كتبت ، إذا وصلت إلى هذه المرحلة أهنئك وأشد على يدك فأنت الآن بدأت تفكر بطريقة جديدة وأصبحت من الذين يفكرون بطريقة صحيحة والتفكير بطريقة صحيحة هو بداية التحرك نحو الأفضل وكما قلت : إن المفكر هو الذي يقود فهل أعددت نفسك لكي تقود من حولك إلى الخير ؟!
إذا عرضت مشكلة أمام أحدنا فإنه ينظر إليها بطريقة ما لحلها وعند استعراض عدد من المشاكل التي عرضت لعدد من الناس وكذا استعراض طرق الحل سوف نجد أن غالبية الناس إن لم يكن كلهم يتعاملون مع مشاكلهم بطرق نمطية أي أن طرق التفكير التي يتعامل بها الناس من حولنا لا تميل إلى الإبداع في التفكير وهذه مشكلة أخرى لابد أن نحلها بيننا وحلها هو إتباع طرق غير تقليدية في حل مشاكلنا أي أن تفكيرنا يكون بطرق غير نمطية وذلك بتحفيز العقل للتمدد والاتساع في البحث عن أفكار متعددة للحل . وكذلك توفير البيئة الإبداعية للأولاد وتوفير البيئة الإبداعية للعاملين في المؤسسة وذلك يكون بتشجيع مبدأ الشورى وإرساء قيم الحرية المسئولة وإشاعة جو الثقة وكذلك إعلام الكل أننا جميعا نملك أعظم طاقة على الأرض ساكنة في ذواتنا الشخصية إنها الطاقة الإبداعية لعقولنا وأن هذا المصدر مستمر ولا ينضب أبدا.
أعلم أننا بعد قراءة هذا المقال سوف نخرج إلى مجتمعاتنا كل يقضي حاجته وأنا لي رجاء أن نتبع ما قرأنا هنا في تعاملنا مع كل من حولنا وأقصد أن نغير من طريقة تفكيرنا ونغير طريقة تعاملنا مع كل من حولنا فعندما نشتري الصحيفة من عند بائع الجرائد علينا أن نلقي عليه السلام ونبتسم في وجهه وبائع الخضار أو الفواكه علينا أن نسلم عليه بيدنا ونبش في وجهه ونسأله عن حاله وحال زوجته وأولاده وهكذا أريد منك أخي القارئ أن تغير وتحول طريقتك مع كل من حولك حتى تكون مباركا أينما تكون .

الثلاثاء، ٨ يوليو ٢٠٠٨

وجعلني مباركا أينما كنت - 1

القرآن الكريم كتاب الله العظيم نزل به ملك الوحي جبريل عليه السلام على رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم لنقرأه ونتدبره ونفهم آياته وأحكامه ونطبقه في حياتنا ، وكلما قرأنا القرآن وتدبرناه كنا إلى الله أقرب ، ولن ينتصر ديننا ولن تتقدم أمتنا طالما أننا بعيدين عن قرآن ربنا .
- والآية الكريمة جاءت في سورة مريم في معرض حديث سيدنا عيسى عليه السلام عن نفسه وحينما كان يتحدث عن براءة أمه مريم البتول الطاهرة ، ولكن إذا أمعنا النظر في الآية الكريمة وحاولنا فهمها سنجد فيها وفي دراستها منهج حياة ورسالة إنسانية راقية هي رسالة الأنبياء والمصلحين ، ولأننا نعيش في فترة صعبة من تاريخ أمتنا توجب علينا جميعا عمل المحاولات تلو المحاولات لرفع هذه الغمة ولإيجاد طرق وسبل ووسائل لإرجاع الأمة إلى مجدها فلابد لكل منا أن يكون له دور في ذلك ، ولذلك لابد لكل منا أن يكون له رسالة في حياته وهذه الرسالة لابد أن تكون مكتوبة وواضحة ومحددة حتى لا يمر العمر هكذا بدون فائدة ، ولأن كثير من الذين ينتمون إلى هذه الأمة لا يوجد لهم أهداف محددة ولا رسالة محددة في حياتهم فواجب علينا جميعا إرشاد كل من نعرفهم إلى أن يجلس مع نفسه ولو ساعة ليحدد فيها رؤيته وهدفه في هذه الدنيا وعلينا أن نساعد الناس على ذلك ولا نتركهم يعيشون هكذا بلا هدف واضح.
- ولعلها بداية خير أن يضع الإنسان هدفا له وهو أن تحل البركة معه أينما ذهب ، أليست غاية نبيله وهدف سام ؟ نعم والله إنها هدف وغاية الأنبياء ، فقد جاء في تفسير الجلالين أن معنى الآية أي جعلني نفاعا للناس وفي ابن كثير أي آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر وفي القرطبي أي ذا بركات ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلما له ، التستري : وجعلني آمر بالمعروف , وأنهى عن المنكر , وأرشد الضال , وأنصر المظلوم , وأغيث الملهوف . وإذا كان هدفك أن تحل البركة معك فسوف يكون هدفك دائما الزيادة والنماء في الخير وفي الاتجاه الإيجابي وثق أن الله معك إذا كانت نيتك صادقة ، فإذا كلفت بعمل أتقنته فنجح العمل ونجحت معه ، وإذا وضعت يدك في مال بالتجارة أو الاستثمار في الخير والحلال زاد وكثر ، وإذا سكنت في بيت ساده الهدوء والسكينة والاطمئنان ، وتجد في أسرتك انسجام وحب وتفاهم ، وفي وقتك تقضي حاجاتك في وقت أقل فتجد في الوقت متسعا ، وتجد في صحتك تمام وكمال ، وفي عمرك طول وحسن عمل ، وفي علمك إحاطة بجوانب العلم والمعرفة ، وتجد كثرة النعم وجوامع الخير .
- وفي زمننا هذا رأينا العالم كله يرفع راية التخطيط وراية العمل فلا مكسب بدون عمل ولا عمل بلا تخطيط والبركة لن تحل والنماء لن يأتي إلا بعمل متقن سبقه تخطيط سليم ، وعليه إذا أردت أنت أو أنا أن تنطبق علينا الآية فلابد بداية أن نأخذ بأسباب حلول البركة والنماء في كل شيء نتعامل معه فعلينا بداية أن نعرف من ديننا من أين ومتى تأتي البركة حتى نلزم أنفسنا به ، فقد علمنا ديننا أن التقوى والإيمان تجلب البركة حيث يقول الله عز وجل : ( ولو أن أهل القري آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) فلنبدأ بإلزام أنفسنا بالتقوى والإيمان ونعمل على تمكين الإيمان في أنفسنا ، وكذلك الحرص على تلاوة القرآن دائما فالقرآن كتاب مبارك فيقول الله عز وجل: ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ) ، وأيضا إلزام أنفسنا التسمية قبل بدأ الأعمال فالتسمية تجعل العمل مباركا فيه وقد قال صلي الله عليه وسلم : (( كل عمل لم يبدأ باسم الله فهو أبتر ، أي مقطوع وناقص البركة )) واستيقاظ الإنسان مبكراً وبدأ أعماله في الصباح الباكر يأتي بالبركة ، فقد قال النبي صلي الله عليه وسلم : (( بورك لأمتي في بكورها )) ، والشكر الدائم لله عز وجل على نعمه فيقول الله عز وجل: ( ولئن شكرتم لأزيدنكم ) .
- فإذا أخذنا بأسباب نزول البركة ثم توجهنا مباشرة للتخطيط لأعمالنا تخطيطا جيدا وأحسنا صياغة أهدافنا طبقا للشروط العلمية المذكورة في كتب الإدارة ثم وضعنا خطة العمل بشكل سليم وبعدها وضعنا جداول التشغيل وأحسنا المتابعة وتصحيح الأخطاء في الأوقات السليمة والمناسبة كان ذلك عملا متكاملا نحصل بعده على أحسن النتائج بإذن الله .
- وهناك ملاحظة أن كثيرا من المنتمين لأمة المسلمين والذين يقومون ببعض الأعمال ، إذا قاموا بأعمالهم يؤدونها بلا وضوح هدف وبلا خطة محكمة لتحقيق هذه الأهداف ، وإذا سألتهم كيف تؤدون هذه الأعمال قالوا نؤديها بالبركة ! ، وهذا كلام عجيب يتعارض مع العقل والمنطق ويتعارض مع ديننا الحنيف فنرى الرسول صلى الله عليه وسلم لا يهم بعمل أي شيء إلا ويخطط له تخطيطا سليما ونرى ذلك واضحا في مثال الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة .
- إن الذي يتصدى للإصلاح ويعمل على رفعة الأمة سوف تقابله أشياء ومواقف تحزنه وتجعله مهموما لكن عليه في وسط هذا ألا يركن لليأس ويتذكر ما بدأنا به المقال أنه سوف يجعل من نفسه مباركا أينما حل فعليه أن تعلوا وجهه الابتسامه حينما يفقدها في الآخرين وأن يحذوه الأمل حين يأخذ اليأس من الناس مأخذه وعليه أن يحاول مرة ومرة ولا ينسى أن يكون إيجابيا وأن يعلم أن طريق نهضة الأمة طريق طويل لابد أن نتكاتف فيه جميعا وأن التزام طريق نهضة الأمة الآن هو من واجبنا جميعا ولا علاقة له بالعمر أو المهنة أو المستوى التعليمي أو الجنسية فالهم همنا جميعا .
- وسوف نستكمل سويا هذه السلسلة ان شاء الله سويا لنعرف كيف يكون الإنسان مباركا باستعماله الأدوات الحديثة لنعرف سويا بعض القيم الواجبة لنرقى بأنفسنا وبأمتنا .
جمال سيد الأهل
Gakgak11@hotmail.com

الأحد، ٢٩ يونيو ٢٠٠٨

خواطر عائد إلى الحياة ..

كنت ذاهبا إلى صلاة الظهر في مسجد صغير أمام مقر عملي وعند اقترابي من المسجد وأنا غارق في التسبيح وذكر الله فوجئت بنفسي طائرا في الهواء ثم اصطدمت بمقدمة سيارة ونزلت على الأرض فاقدا للوعي وبعد برهة قصيرة استعدت وعيي جزئيا على حديث قائد السيارة بأنه لم يكن يقصد وأنه كان مهموما بعض الشيء وقائد السيارة شاب في أوائل العشرينات من عمره وعندها جاءني أحد الزملاء بكوب من الماء ثم حملوني في السيارة التي صدمتني إلى طوارئ المستشفى وكان إحساسي بأن الموت قد داهمني وكنت أنتظر حدوث ما قرأته كثيرا عن قبض الروح وأحوال الميت وأكاد أجزم أنني رأيت الموت وعشته في هذه الدقائق بل وعشته لأكثر من عشرة أيام بعدها وكان على لساني في هذه اللحظة قول لا إله إلا الله محمد رسول الله بصوت عال ثم قولي يارب لقد سامحت كل من أساء لي في هذه الدنيا فسامحهم جميعا وسامحني واعف عني ، وفي الطوارئ أجريت الفحوصات الأولية وتم استدعاء أطباء العظام والقلب والمخ والأعصاب والجراحة وكان هناك ألم شديد في كل جسمي ولكن كان الألم الأكثر في كتفي الأيمن وكنت لا أستطيع تحريك يدي اليمنى وأرسلوني فورا إلى الأشعة التي قام فيها طبيب الأشعة بعمل أشعات مقطعية على المخ والعمود الفقري ثم أشعة عادية على باقي أجزاء الجسم وتم بعد ذلك تنويمي بالمستشفى تحت الملاحظة وكنت في اليوم الأول غائبا عن الوعي بصورة كبيرة . ولم أبلغ زوجتي ولا أولادي إلا بعد أن أفقت جزئيا بعد صلاة العشاء ، والحمد لله مرت الأمور كلها بعد ذلك بسلام ولم يترك الحادث على جسمي إلا بعض الردود والكدمات وأسأل الله أن يعافيني منها قريبا .
- في العشرة أيام التي تلت الحادث كنت أعيش حياة غريبة فقد كنت أحس أنني لست بين الأحياء بل كنت أحس أنني أعيش بين الأموات وكنت أفكر كثيرا في الموت وكنت أعيش وكأنني داخل فقاعة كبيرة وبيني وبين الناس حاجز غريب وكأن هناك حياة ضبابية أخرى تفصلني عن الناس وبدأ هذا الشعور يتلاشى قليلا الآن ولكن ..
- شغلني هذا الأمر من عدة أوجه وعلى عدة أسئلة : ما هو الموت وما هي الحياة وماذا لو مات الإنسان وعاد مرة أخرى وما دورنا نحن في هذا وهل أنا أو أنت من الأهمية بأن نرى بأن لموتنا أو لحياتنا قيمة وهل هناك أصلا من يهتم بنا سواء أحياءا أم أمواتا ؟ أسئلة كثيرة وأمور عدة جالت في نفسي وأهمها على الإطلاق لماذا نعطي كل شيء في حياتنا قيمة أكبر من حجمها الحقيقي ؟ كل شيء .. نعم .. كل شيء ؟ إذا أصيب أحدنا بالزكام قامت الدنيا ولم تقعد إذا أخطأ علينا أحد ولو بكلمة أو همسة اعتبرنا تصرفه أقرب للخروج من دين محمد صلى اله عليه وسلم ، وقليل هم الذين يعيشون خلق التسامح ، وهكذا نقيم الدنيا ولا نقعدها على كل شيء مهما كان صغيرا أو كبيرا ، ولا نفعل ذلك مع أهم شيء وهو : علاقتنا بالله عز وجل وهذه العلاقة هي حجر الزاوية في حياتنا ويجب أن تكون شغلنا الشاغل ويجب أن تأخذ كل تفكيرنا حتى لا يأتي وقت لا نستطيع فيه إعادة ترتيب حياتنا ولا نستطيع أن نفعل شيء إلا الندم وحينها لا يتفع الندم .
- إن الله عز وجل خلق آدم ونحن بنوه ووجودنا على هذه الأرض لم يتم عبثا لأنه حاش لله أن يكون كذلك فالله عز وجل أكبر من ذلك وأجل وأعلى ، إذا لابد ان نعلم ما هو هدف وجودنا على هذه الأرض حتى نعيش لهذا الهدف ، حتى إذا طرق بابنا ملك الموت نكون جاهزين إذا دخل الملك علينا وذهب بنا إلى الدار الآخرة ، وأنا هنا أحاول أن أخرج بدرس ما من الحادث الذي تعرضت له ولكنه درس بناء لا درس هدم ودرس أكتبه هنا لأنني أعلم أن الحياة لابد أن تستمر إلى ماشاء الله وإلى أن يأذن الله لها بالتوقف .
- إن الموت سنة من سنن الله في الأرض وهو سنة تسير على المخلوقات جميعا الإنسان والحيوان والنبات وما من حي إلا وهو ميت ، وهو في الدين مفارقة الروح للجسد والدخول في البرزخ وبدء الحساب وانتظار البعث وقد ذكر الإمام الغزالي: (أن الموت معناه تغير حال فقط ، وأن الروح باقية بعد مفارقة الجسد، إما معذبة وإما منعمة، ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عنه، بخروج الجسد عن طاعتها، فإن الأعضاء آلات الروح، والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها) ، وأما في القانون فهوانتهاء شخصية كانت معتبرة، وضياع ذمة مالية، وانتهاء قدرة على التملك وعلى التعامل بيعًا وشراء، وكذلك هو خلو منصب وفراغ من عمل، وانقطاع القدرة على أداء تعهدات وانتهاء وإرادة وانتقال ملك، ونوزعه بالميراث على أفراد آخرين ، وأما عندنا فالموت فراق حبيب وآهات وأنات وعبرات وربما عبرة وعظة وربما ارتياح لأن شخص ما فارق الحياة وكان البعض يتمنى ذلك . والبعض يرى في الموت الخوف والرعب كون ما بعده شيء لا يعلمه أحد ، ولكن يجب أن تكون معرفة الموت أو رؤيته نقطة انطلاق وبداية حياة جديدة لأن الموت باب وما بعد الباب دار وهذه الدار نحن الذي نعمرها أو نخربها . فلابد أن نعمل على إعمار هذه الدار بالأعمال الصالحة الخيرة والأعمال الصالحة كثيرة منها الفرائض والنوافل ، ولكن يأتي فرض الوقت وهذا الفرض هو إعادة الأمة إلى جادة الصواب والعمل على رفع رايتها وإعادتها إلى هويتها كل على حسب تخصصه وعلى حسب مكانه وعلى حسب إمكاناته .
- إن الحياة بعد الموت مبنية على ما تصنعه أيدينا هنا في حياتنا الدنيا ولذلك لابد أن نحسن البناء نبذل كل ما في وسعنا من طاقة ومجهود حتى يخرج البناء عاليا وجميلا وثابتا .
- إن حياتنا على الأرض تنطلق من آيتين كريمتين في القرآن الكريم :
الأولى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون .
الثانية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة .
ومنها نفهم الآتي :
- إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بقدرات عجيبة وطاقة كامنة وإمكانات واسعة إذا أطلق لها العنان وسخرها لتحقيق أهدافه في الحياة فإنه بذلك يستطيع أن يفجر طاقاته ويصل إلى أفضل المستويات الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإبداعية وإذا أهمل هذه القدرات والملكات فإنه يعيش حياة مشلولة وغير منتجة يلفها الركود والتبلد والفشل . وإن النجاح في حياة الإنسان يحتاج إلى عملية تغيير داخلية . أي أن تقوم بتعديل سلوكك وتبدأ أولى خطوات التغيير بنفسك وتقوم أنت بالمبادرة الذاتية نحو التغيير .
- إن اللاعب الرئيسي وأهم شخص في حياتك هو أنت ولابد أن تعمل على اكتشاف نفسك وتعرفك عليها . فهل لديك المقدرة على الإمساك بزمام أمرك وتطويع ذاتك ووضع قدميك على الخطوات الأولى للتغيير الإيجابي . لا تكن من الكسالى السلبيين وحاول أن تكون نشيطا وفعالا واثقا بربك وحاول الاستفادة من جميع قدراتك . اكتشف نفسك وتعرف على ذاتك وابدأ مشوارا رائعا من النمو الذاتي والتغيير الداخلي والتطوير الشخصي . ضع يدك على مكامن القوة والضعف في شخصيتك . ثم ابدأ بتوظيف عوامل القوة لتحقق أهدافك وتخلص من نقاط الضعف . أو على الأقل اعرف هذه النقاط حتى لا تكون حجر عثرة في طريقك . هل تستطيع أن تستجيب لهذا التحدي ؟ إذا كنت واثقا من ربك صادقا مع نفسك حريصا على مستقبلك وترغب في التغيير الإيجابي فخذ نفسك بقوة وتصالح معها ومارس معها التغيير رويدا رويدا . أما إذا كانت ثقتك مهزوزة وكنت إنسانا مترددا تساورك الشكوك في جدوى التغيير في حياتك فأنت تدور في الحلقة المفرغة التي يدور دائما فيها الإنسان الكسول المتهاون التي لا يستطيع تغيير حياته للأفضل .
الواقع أن كل منا له رسالة محددة في هذه الحياة أو ما يعتقد هو بأنها رسالة ولديه رؤية منبثقة من هذه الرسالة وهذه الرسالة إما أن يكون اكتسبها بخبراته أو أخذها من الآخرين وهنا لابد من طرح سؤال : هل هذه الرسالة التي تتبناها واضحة وصحيحة ؟ وإذا كانت واضحة وصحيحة فهل قناعتك بها راسخة أم أنت مقلد للآخرين ؟ وإذا كانت راسخة فهل قادت إلى تطبيق عملي في حياتك أم أنها لا تزال مشروع نظري تفصلك عنه مسافات بعيدة ؟ وهنا :
لابد أن أسأل نفسي ما هي رسالتي في الحياة ؟ ما هي المثل والقيم والمبادئ التي أرغب أن أعيش في ضوئها وما هي المعايير والضوابط التي أرغب في الحياة تحت ظلها . وما هي رؤيتي للحياة من حولي . وما هي … وما هي ….
- أمسك الورقة والقلم … وهنا البداية :
- وإذا مسكت الورقة والقلم كثرت عليك الأفكار .. فلا تخف واعلم أن تبني رؤية واضحة وسليمة ورسالة صحيحة هي بداية الحياة الحقيقية وهي بداية النجاح .
- أخي : امسك الورقة وفكر بعمق .. أنا أعلم أن الأمر صعب في البداية لكن .. اكتب وعدل وغير في الصياغات حتى تصل إلى قناعة نهائية .
- أخي أمسك الورقة ولا تقلق فبعض الناس يحتاج إلى أسابيع وأشهر ليصل إلى رسالة جيدة .. وبعض الناس يقضي عمره ولا يصل .. وربما غيرت رأيك بعد فترة .. ولكن فقط أمسك الورقة وابدأ .
هذه خواطر كتبتها لي ولك وهذه الكلمات أتوجه بها لنفسي قبل أن أتوجه بها إليك أخي القارئ وأحاول مع نفسي أن أبدأ مرحلة جديدة من حياتي وأسأل الله أن يوفقني ويوفقك لكل ما يحب ويرضى .

الخميس، ١٩ يونيو ٢٠٠٨

رسالة إلى أخي الحبيب - 4

( هذه رسالة أذن الله لها أن تكتب وتنشر فقد كتبت نصفها قبل الحادث الذي تعرضت له وقد اراد الله أن أكملها فالحمد لله على كل حال ..)
أخي الحبيب ..
أخي المسلم في كل مكان أتوجه إليك بالجزء الرابع من الرسالة التي أبثها إليك وأكتب فيها كلمات وهي نبضات حب ينبض بها قلبي وهي حديث أوجهه إلى نفسي قبل أن أتوجه به إليك فهو حديث النفس للنفس علنا نتفق ونتعاون حتى نصل بأنفسنا وأهلينا وأمتنا إلى المستوى الذي نصبو إليه .
أخي الحبيب ..
- إن ما أريده منك هو أن تحمل معي هم هذه الأمة وهم هذا الدين ، تحمله وتساعدني على حمله وبل وتدعو الآخرين لحمل هذا الهم الثقيل بل وتسعى معي وتدعوا الجميع للعمل على تقدم ورقي هذه الأمة ونصرة هذا الدين حتى ترتفع راية الحق خفاقة فوق ديارنا جميعا .
- وعندي لك نفحة عطرة من تاريخنا لشاب يافع حمل هم الأمة فنصر الله به الدين وسأنقل لك حوارا عجيبا لشاب في السابعة عشر من عمره فلتقرأ معي :
- في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك خرجت أربع سفن من جزيرة سيلان تحمل نساء مسلمات وعند ساحل مدينة الديبل الهندية هجم قراصنة هنود على السفن وأخذوا النساء المسلمات أسيرات عندهم وبلغ الخبر الحجاج بن يوسف الذي أرسل إلى ملك السند طالبا منه أن يخلص النساء من القراصنة فاعتذر له فغضب الحجاج وأرسل حملتين لتخليص النسوة ولكن القراصنة أبادوا الحملتين فأسرع الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك طالبا منه الإذن بتسيير جيش لفتح السند وتأديب القراصنة وتحرير النسوة فأجاب الوليد طلب الحجاج بعد إلحاح شديد منه على ذلك وفي طريق عودته إلى العراق جعل يفكر في قائد يوليه قيادة هذا الجيش وحينما وصل إلى قصره وجد بانتظاره محمد بن القاسم وقد بلغه الخبر فبادره قائلا : مولاي الحجاج لقد علمت بما حدث في الديبل فهلا أرسلتني إلى ثغر السند ؟ . ولم يفهم الحجاج مقصد ابن عمه فرد عليه قائلا : نعم الروح روحك يامحمد إني مسيرك إلى هناك في جيش يقوده أبو الأسود بن جهم . فاقترب محمد بن القاسم من أذنيه قائلا : بلاد الفرس في حاجة إلى قائد عرفها وعرف دروبها مثل أبي الأسود فأبقه هناك . فكر الحجاج قليلا ثم قال : ولكن من يقود الجيوش إذن ؟. فقال محمد بن القاسم في نبرة قوية : أرسلني أنا إلى السند ، آتيك بالمسلمات اللائي خطفن وآخذ بثأر المسلمين . فقال الحجاج مترددا : ولكن سنك الصغير يامحمد لا تؤهلك لقيادة الجيش ، فأنت لم تتجاوز عامك السابع عشر. فقال محمد : اختبر بلائي وصدق عزيمتي هذه المرة يابن العم فقال الحجاج : يعجبني إصرارك وإقدامك لكن . فقاطعه محمد قائلا : والله ياأمير العراق ما أريد المنصب ولا القيادة ، إنما أطلب منك أن تعينني على موتة في سبيل الله ، فاقتنع الحجاج وقال : خذ يابني سيفك وامض مجاهدا وفاتحا على بركة الله . وذهب القائد الشاب وجعل الله على يده النصر وفتح بلاد السند وكان عادلا وتقيا وكريما ومعطائا وكان محبوبا من أهل السند .
- هذه الروح وهذا الشعور الذي تملك هذا الشاب المسلم هو الذي أريده أن يتملكنا جميعا ولسنأل أنفسنا : كيف ننام وأهلنا في كثير من بقاع الأرض لا ينامون وكيف نأكل وأهلنا في بقاع الأرض جوعى وكيف نحس بفرح أو سعادة والكآبة والحزن تخيم على أهلنا هنا وهناك ، هذه ليست دعوة لعدم الفرح أو دعوة لليأس ولكنها نداء يقظة وصرخة مدوية أصرخها لعل أحدنا أو كلنا نفهم ما نحن فيه .
- وكأني بالأمة تنادينا مثل نساء المسلمين اللاتي اختطفهن القراصنة ، وكأني بالأمة تنادي وتقول من لي الآن هل يوجد من أبنائي من يحمل همي ، هل يوجد من أبنائي من يريد نصرتي هل يوجد من أبنائي من هو مثل محمد بن القاسم في مثل همته ورغبته في إنقاذ شرف الأمة ونيل السعادة في الدنيا والآخرة أسأل الله أن اكون أنا وأنت منهم . ولكن هل يكفي هذا الصياح لإنقاذ الأمة ؟ بالطبع لا يكفي . فنحن في حاجة إلى فهم جديد لواقع الأمة ونحن بحاجة إلى عمل ضخم ومستمر دون كلل ولا ملل ، نحن بحاجة إلى أن نتكاتف جميعا كل في مكانه وكل في تخصصه ونتفق على أن نكون إيجابيين في حمل هذا الهم وبالعمل لا بالقول والكلام .
- سأل رجل عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائل : أتوشك القرى أن تخرب وهي عامرة ؟ قال عمر : إذا علا فجارها على أبرارها . إذن إن علو الفاجر على البار هو سبب ما نحن فيه الآن فقد علا الفاجر فولى أمثاله . فلا ينفك كل فاجر أن يكون أسير شهواته ثم يكون أسير مصالحه فيظلم ويتعسف فتهدر الطاقات وتتوارى الكفاءات طالبة لنفسها الستر، ستر العرض من الاعتداء والبدن من العذاب وبعدها نجد أنه لا يتصدى للأمة إلا كل جاهل أناني فيعم الاضطراب الاجتماعي ثم الخراب الاقتصادي ثم المدني ثم التخلف العلمي ، وهذا هو وضعنا !!
- ولهذا كان للصحابة رضوان الله عليهم إنكار شديد على من يجلس في بيته متخليا عن مكانه في إصلاح الأمة ومحاربة الباطل فقد قال طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ( إن أقل عيب للرجل أن يجلس في داره ) هذا عيب أن تجلس في بيتك حتى ولو كنت صالحا مصليا عابدا لله فلا تجلس في بيتك وكن أحد المصلحين في هذا الزمن الذي قل فيه المصلح الناصح الأمين .
- وهذا نداء آخر للنزول إلى الميدان نداء من الشيخ القدوة العارف عبد القادر الكيلاني رحمه الله وكان فقيها ثقة من فقهاء الحنابلة فقد صاح صيحة من صيحات الحق قائلا ( من كملت معرفته لله عز وجل صار دالا عليه ، يصير شبكة يصطاد بها الخلق من بحر الدنيا ، يعطى القوة حتى يهزم إبليس وجنده ، يأخذ الخلق من أيديهم ، يامن اعتزل بزهده مع جهله ، تقدم واسمع ما أقول : يازهاد الأرض تقدموا ، خربوا صوامعكم واقربوا مني ، قد قعدتم في خلواتكم من غير أصل ، ما وقعتم بشيء ، تقدموا ) قالها رحمه الله وهو في شيخوخته وهكذا هو فهم العالم العامل لله ولإصلاح الأمة وإن كلماته قوية تهز القلب فياأخي خرب صومعتك وانطلق وخذ مكانك في مقدمة الصفوف .
- يقول ابن القيم رحمه الله ( الشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته : وقوفه في الصف ساعة ، وجهاده أعداء الله ، أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع ، والعالم الذي عرف السنة ، والحلال والحرام ، وطرق الخير والشر : مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح ) وهذه كلمات من ذهب للإمام يدعوك ويدعوني ويدعوا كل المسلمين لفهم صحيح لدينهم بأنه دين حركة ونشاط وليس دين قعود وخلود للراحة .
- وبعد أن فهمنا وعلمنا أنه واجب علينا الوقوف في صف المصلحين من أبناء هذه الأمة أيا كان مكانهم وموقعهم وعدم الركون إلى الراحة بأي حجة فالسؤال الذي يطرح نفسه كيف أكون أنا ناصرا لأمتي وكيف أكون أنا عاملا على إلى إعادة الأمة إلى مسارها الطبيعي في مقدمة الأمم والعمل على إيقاف التدهور الحاصل على كثير من المستويات ولهذا أقترح عليك أخي أن يكون لك في هذه الدنيا مشروع شخصي .
يقول الدكتور عبد الكريم بكار (فكرة المشروع الشخصي ما زالت غريبة عن المجتمعات الإسلامية ولدى معظم الناس، مع أنه قد يكون هو السبيل الأكثر يسراً والأقل تكلفة والأكثر نجاعة والأقل مخاطرة في إنقاذ الأمة من الحالة الحرجة التي صارت إليها في ظل قصور الداخل وضغوطات الخارج.
المشروع الشخصي يعني التزام المرء بإنجاز شيء يكرس له حياته أو جزءًا كبيرًا منها، وهو من أجل إتقانه وأدائه على أفضل وجه مستعد للتنازل عن بعض الرغبات وتفويت بعض المصالح وذوق طعم العناء.
المشروع الشخصي رؤية تتكون من الهدف والطاقة والإمكانية والبعد الزمني، ولا قيمة لتلك الرؤية إذا لم يتم تجسيدها في خطة عملية ومنطقية واضحة ودقيقة، من خلال مشروعنا الشخصي نعثر على الدور الأمثل الذي يمكن أن نؤديه في هذه الحياة، كما أننا نجيب من خلاله عملياً عن الأسئلة التي لا يتم التقدم الحقيقي من غير الجواب عنها.وأهم تلك الأسئلة سؤالان ضاغطان؛ هما:
1- ما الشيء الذي نستطيع أن نفعله الآن لكننا لا نفعله؟
2- ما العمل الذي إن أديناه بطريقة جديدة تكون نتائجه أفضل؟
ومن المهم أن تكون الأهداف التي ننجزها من خلال ذلك المشروع متصلة بالهدف النهائي الذي على كل مسلم أن يسعى إلى بلوغه، وهو الفوز برضوان الله –تعالى-.
سوف تتقدم أمة الإسلام تقدماً باهراً إذا تمكن 5 % من أبنائها من تقديم نماذج راقية في العلم والتربية والأخلاق والسلوك والعلاقات الاجتماعية والإنتاج والإبداع، فالذي يغير معالم الحياة ليس الأفكار والحكم والمقولات - وإن كانت تشكل الأساس لأي ازدهار-؛ وإنما النماذج الراقية التي يتفاعل معها الناس، ويتخذون منها قدوات يقتدون بها.
الأمم الفقيرة ليست تلك التي لا تملك الكثير من الرجال، ولكنها الأمم التي يتلفت أبناؤها يمنة ويسرة، فلا يرون إلا رجالاً من الطراز الثالث أو الرابع، فيحدث ما يشبه الفتنة الثقافية والضياع السلوكي.
من الصعب أن يكون المرء نموذجاً في أمور كثيرة، لكن من الميسور أن يكون عادياً أو فوق العادي قليلاً في جل شؤونه، ويقدم نموذجاً رفيعاً في شأن أو اثنين أو ثلاثة.
إذا نظرنا في سير صفوة الصفوة من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم- لوجدنا أنهم من خلال براعة كل واحد وتفوقه في بعض الأمور تمكنوا من كتابة تاريخ صدر الإسلام، وتأسيس المرجعية الرمزية والشعورية والأخلاقية لأمة الإسلام بطولها وعرضها: هذا يقدم نموذجاً في العدل، وهذا في الأخلاق والتجرد، وهذا في الصدق والأمانة، وهذا في الثبات على المبدأ، وهذا في النبوغ العلمي والفقهي، وهذا في الحنكة العسكرية، وهذا في الكرم والجود، وهذا في البر بوالديه وأرحامه، وهذا في الحياء واللطف والطيبة... وهكذا تم رسم ملامح أفضل مراحل حضارة الإسلام وملامح أكرم الأجيال.
جمال فكرة المشروع الحضاري الشخصي أنه لا يحتاج إلى كثير مال وأحياناً لا يحتاج إلى أي مال. وهو ليس ذا مقاييس صارمة ومعالم محددة، ولذا فإن معظم الناس يستطيعون أن يهتموا بأمر من الأمور يصبحون من خلاله مناراً ومرجعية لغيرهم؛ ومن الذي يمنع المرء أن يقدم نموذجاً في التبكير إلى صلاة الجماعة أو خدمة والديه أو الحرص على الوقت أو التصبر والتحلم وسعة الصدر ...؟
من خلال المشروع الحضاري يحقق المرء لدينه وجماعته ودنياه الكثير من المكاسب، وهو في كل ذلك الكاسب الأول . لكننا نحتاج إلى شيء من البصيرة وشيء من التخطيط وكثير من الهمة والاهتمام وروح المثابرة.
3-المشاركة في الخدمة العامة:
يتجلى الكثير من عظمة الأمم وخيريتها في تمتعها بأعداد كبيرة من المهتمين بالشأن العام والناهضين للقضايا التي لا تدخل في مسؤولية أي جهة من الجهات. وإن في إمكان أي مسلم مهما كانت ظروفه وأوضاعه، ومهما كانت قدراته وإمكاناته أن يسهم في تحسين الحياة العامة وإشاعة الخير ومحاصرة الشر في البلد الذي يعيش فيه. وسيكون من الخطأ الظن أن الإحسان يقتصر على بذل شيء من المال للفقراء. لا ريب أن هناك مشكلات كثيرة لا يحلها إلا المال؛ لكن أيضاً هناك مشكلات كثيرة جداً لا تحتاج في حلها إلى أي مال. وقد كان عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – يخرج إلى السوق مع غلام له، ثم يعود دون أن يشتري أي شيء، وكان غلامه يستغرب، ويتساءل : لماذا كان ذلك ؟! وكان ابن عمر يجيبه أنه خرج من أجل السلام على الناس.
في المسلمين مظلومون يحتاجون إلى مناصرة، وفيهم جهلة يحتاجون إلى تعليم ومنحرفون يحتاجون إلى إرشاد، ومهمومون يحتاجون إلى مواساة... ولو أن كل مسلم بذل ساعة في الأسبوع في التعاون مع مؤسسة خيرية أو في عمل تطوعي عام لتغير وجه الحياة في عالمنا الإسلامي.
نحن أمة تتحدث كثيراً عن حب الخير وعمل الخير، لكن الأرقام والإحصاءات والنتائج الملموسة تدل على أننا في الأعمال التطوعية والأنشطة اللاربحية في مؤخرة الأمم. ويكفي القول: إن القطاع الثالث والذي يشمل الأعمال الخيرية واللاربحية في (إسرائيل) يستوعب 11% من القوة العاملة هناك؛ على حين أنه في أقطارنا الإسلامية لا يستوعب ولا واحداً في المئة!.
من خلال حبّات الرمل تتشكل صحارى شاسعة، ومن خلال قطرات الماء تتشكل بحار ومحيطات، ومن خلال الأعمال الصغيرة والمبادرات الفردية يتشكل مستقبل أمة إذا امتلكنا ما يكفي من العزيمة والوعي ) .
أخي الحبيب ..
أختم كلامي لك بهذا الاقتراح الذي اقترحته عليك الذي آمل أن يلاقي سعة في صدرك وأن يكون بداية خير لي ولك ، وفي نهاية رسالتي لك أشكرك على صبرك وعلى سعة صدرك وعلى حسن خلقك كما وأشكر كل من أهدى إلي نصيحة من الأساتذة الأفاضل .
جمال سيــــد الأهل
Gakgak11@hotmail.com