
السبت، ٢٩ ديسمبر ٢٠٠٧
الخميس، ٢٧ ديسمبر ٢٠٠٧
حضارتنا التي يجب أن نتلمس خطاها ...
الرفق بالحيوان وهو موضوع طريف في صدد الحديث عن روائع حضارتنا، وإن لم يكن غريباً بالنسبة إلى العصر الذي نعيش فيه. فقد كانت الإنسانية حتى العصر الحديث لا ترى أن للحيوان نصيباً من الرفق، أو حظاً من الرحمة. ولا تزال بعض الأمم المعاصرة تتلهى بقتل الحيوان في أعيادها ومجال أفراحها ورياضتها. وهنا تبرز حضارتنا في مبادئها وواقعها بثوب من الرحمة والشعور الإنساني المرهف لم تلبسه حضارة من قبلها، ولا أمة من بعدها حتى اليوم. ذلك هو الرفق بالحيوان والرحمة به، رحمة تلفت النظر وتدعو إلى العجب والدهشة، وإليكم بعض الأحاديث عن هذا.
أول ما تعلنه مبادئ حضارتنا في مجال الرفق بالحيوان، أن تقرر أن عالم الحيوان كعالم الإنسان له خصائصه وطبائعه وشعوره: )وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ((1). فله حق الرفق والرحمة كحق الإنسان (الراحمون يرحمهم الرحمن)(2). (من أعطي الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة)(3). بل إن الرحمة بالحيوان قد تُدخِل صاحبها الجنة: (بينما رجل يمشي بطريق إذ اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب، فشكر الله تعالى له فغفر له، قالوا يا رسول الله: وإن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال: في كل ذات كبدٍ رطبة)(4).
كما أن القسوة على الحيوان تدخل النار (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض)(5).
وتمضي الشريعة في تشريع الرحمة بالحيوان، فتحرم المكث طويلاً على ظهره وهو واقف فقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسي)(6). وتحرم إجاعته وتعريضه للضعف والهزال. فقد مرّ عليه السلام ببعير قد لصق ظهره ببطنه فقال: (اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة)(7). كما تحرم إرهاقه بالعمل فوق ما يتحمل. دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بستاناً لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي حنَّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح دموعه، ثم قال: من صاحب هذا الجمل؟ فقال صاحبه: أنا يا رسول الله، فقال له عليه الصلاة والسلام: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إليّ أنك تجيعه وتدئبه)(8) (أي تتعبه بكثـرة استعماله). كما تحرم التلهي به في الصيد (من قتل عصفـوراً عبثاً، عـج إلى الله يوم القيامة يقول: يا رب إن فلاناً قتلني عبثاً ولم يقتلني منفعة)(9). واتخاذه هدفاً لتعليم الإصابة، فقد (لعن رسول الله من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً)(10) (أي هدفاً) وتنهى عن التحريش بين الحيوانات ووسمها في وجوهها بالكي والنار (أي كيها لتعلم من بين الحيوانات الأخرى) فقد مرّ الرسول على حمار قد وسم في وجهه، فقال: لعن الله الذي وسمه(11). أما إذا كان الحيوان مما يؤكل، فإن الرحمة به أن تُحدّ الشفرة، ويسقي الماء ويراح بعد الذبح قبل السلخ: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحّد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)(12). بل إن إضجاع الحيوان للذبح قبل إحداد الشفرة قسوة لا تجوز، أضجع رجل شاة للذبح وهو يحد شفرته، فقال له عليه السلام: (أتريد أن تميتها موتتان؟ هلاّ أحددت شرفتك قبل أن تضجعها)(13).
واسمعوا ما أروع هذه الرحمة بالحيوان وأبلغ دلالتها على روح حضارتنا. قال عبد الله بن مسعود: (كنا مع رسول الله في سفر، فرأينا حمّرة (طير يشبه العصفور) معها فرخان لها، فأخذناهما فجاءت الحمّرة تعرّش (ترفرف بجناحيها)، فلما جاء رسول الله قال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها. ورأى قرية نمل قد أحرقناها فقال: من أحرق هذه؟ قلنا: نحن، قال إنه لا ينبغي أن يُعذب بالنار إلى رب النار)(14).
وعلى ضوء هذه التعاليم يقرر الفقهاء المسلمون من أحكام الرحمة بالحيوان ما لا يخطر بالبال. فهم يقررون أن النفقة على الحيوان واجبة على مالكه، فإن امتنع أجبر على بيعه أو الإنفاق عليه، أو تسييبه إلى مكان يجد فيه رزقه ومأمنه، أو ذبحه إذا كان مما يؤكل.
هذه هي مبادئ الرفق بالحيوان في حضارتنا وتشريعنا. فكيف كان الواقع التطبيقي لها؟
بينما رسول الله في بعض سفره، إذ سمع امرأة من الأنصار تلعن ناقة لها وهي تركبها، فأنكر ذلك عليها وقال: (خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة)، وأخذت الناقة وتركت تمشي في الناس لا يعرض لها أحد(15).
مرّ عمر برجل يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له: ويلك قدها إلى الموت قوداً جميلاً...
وهكذا كان طابع حضارتنا رفقاً بالحيوان وعناية به من قبل الدولة والمؤسسات الاجتماعية.
أما عناية الدولة فليس أدلّ على ذلك من أن خلفاءها كانوا يذيعون البلاغات العامة على الشعب يوصونهم فيها بالرفق بالحيوان ومنع الأذى عنه والإضرار به.
فقد أذاع عمر بن العزيز في إحدى رسائله إلى الولاة أن ينهوا الناس عن ركض الفرس في غير حق.
وكتب إلى صاحب السكك (وهي وظيفة تشبه مصلحة السير) أن لا يسمحوا لأحد بإلجام دابته بلجام ثقيل أو أن ينخسها بمقرعة في أسفلها حديدة.
وكان من وظيفة المحتسب (وهي وظيفة تشبه في بعض صلاحياتها وظيفة الشرطي في عصرنا الحاضر) أن يمنع الناس من تحميل الدواب فوق ما تطيق، أو تعذيبها وضربها أثناء السير، فمن رآه يفعل ذلك أدّبه وعاقبه.
وأما المؤسسات الاجتماعية فقد كان للحيوان منها نصيب كبير. وحسبنا أن نجد في ثبت الأوقاف القديمة أوقافاً خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة، وأوقافاً لرعي الحيوانات المُسنة العاجزة.
وهذا كله يدلك على روح الشعب الذي بلغ من الرفق بالحيوان إلى هذا الحد، وهو ما لا تجد له مثيلاً. ولعل أصدق مثال عن روح الشعب في ظل حضارتنا، أن ترى صحابياً جليلاً كأبي الدرداء يكون له بعير فيقول له عند الموت: يا أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك.
وأن صحابياً كعدي بن حاتم كان يفتّ الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات لنا ولهن علينا حق.
وأن إماماً كبيراً كأبي إسحاق الشيرازي كان يمشى في طريق ومعه بعض أصحابه، فعرض له كلب فزجره صاحبه فنهاه الشيخ وقال له: أما علمت أن الطريق مشترك بيننا وبينه؟
ولا نستطيع أن نقدر هذه الظاهرة البارزة في حضارتنا وموقفها الإنساني الكريم مع الحيوان، إلا إذا علمنا كيف كان يعامل الحيوان في العصور القديمة والوسطى، وكيف كان موقف الأمم منه من جناياته وتعذيبه.
وأول ما يلفت النظر في ذلك أنك لا تجد في تعاليم تلك الشعوب ما يحمل على الرفق بالحيوان ووجوب الرحمة به. ومن ثم فلا تجد له حقوقاً على صاحبه من نفقة ورعاية.
ويلفت النظر بعد ذلك أخذ الحيوان بجنايته إذا جنى أو جنى صاحبه، ومعاملته في المسؤولية كمعاملة الإنسان العاقل المفكر! وهذا أغرب ما تضمنه تاريخ العصور القديمة والوسطى حتى القرن التاسع عشر. فقد كان الحيوان يحاكم فيها كما يحاكم الإنسان. ويحكم عليه بالسجن والتشريد والموت كما يحكم على الإنسان الجاني تماماً!
وبعد فهذا هو موقف حضارتنا من الحيوان وموقف غيرنا من الأمم منه. ومنها يتضح أن حضارتنا امتازت بأمرين لا مثيل لهما عند الأمم القديمة وبعض الأمم الحديثة اليوم.
أولهما- إقامة مؤسسات اجتماعية للعناية بالحيوان وتطبيبه وتأمين معيشته عند العجز والمرض والشيخوخة.
ثانيهما- أن حضارتنا خلت من محاكمة الحيوان لأنها نادت برفع المسؤولية الجنائية عنه قبل ثلاثة عشر قرناً من مناداة الحضارة الحديثة بذلك. كما أن حضارتنا خلت من مظاهر القسوة والتحريش بين الحيوانات، وهي التي كانت معترفاً بها رسمياً لدى اليونان والرومان، ولا تزال معترفاً بها في إسبانيا حيث تقام الحفلات الكبرى لمصارعة الثيران، وهي بلا شك وحشية من بقايا وحشية الغربيين القدماء وفي العصور الوسطى.. وقد تنزهت عنها حضارتنا.
----------------------
(1) الأنعام- 38. (2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم. (3) رواه أحمد.(4) أخرجه البخاري ومسلم ومالك وأحمد وأبو داود.(5) أخرجه البخاري ومسلم.(6) رواه أحمد والحاكم.(7) رواه أبو داود وابن خزيمة.(8) رواه أحمد وأبو داود.(9) رواه النسائي وابن حبان.(10) رواه البخاري ومسلم.
(11) رواه الطبراني.(12) رواه مسلم وأبو داود، ومالك والترمذي.(13) رواه الطبراني والحاكم.
(14) أخرجه أبو داود.(15) رواه مسلم.
المؤسسات الخيرية ليس أدل على رقي الأمة وجدارتها بالحياة واستحقاقها لقيادة العالم، من سمو النزعة الإنسانية في أفرادها، سمواً يفيض بالخير والبر والرحمة على طبقات المجتمع كافة، بل على كل من يعيش على الأرض من إنسان وحيوان، وبهذا المقياس تخلد حضارات الأمم. وبآثارها في هذا السبيل يفاضل بين حضارتها ومدنياتها.
وأمتنا بلغت في ذلك الذروة التي لم يصل إليها شعب من قبلها على الإطلاق، ولم تلحقها من بعدها أمة حتى الآن: أما في العصور الماضية، فلم تعرف الأمم والحضارات ميالين للبر إلا في نطاق ضيق لا يتعدى المعابد والمدارس، وأما في العصور الحاضرة، فإن أمم الغرب وإن بلغت الذروة في استيفاء الحاجات الاجتماعية عن طريق المؤسسات الاجتماعية وعن طريق المؤسسات العامة، لكنها لم تبلغ ذروة السمو الإنساني الخالص لله عز وجل كما بلغته أمتنا في عصور قوتها ومجدها، أو عصور ضعفها وانحطاطها. إن لطلب الجاه أو الشهرة أو انتشار الصيت أو خلود الذكر، الأثر الأكبر في اندفاع الغربيين نحو المبرات الإنسانية العامة، بينما كان الدافع الأول لأمتنا على أعمال الخير، ابتغاء وجه الله جل شأنه، سواء علم الناس بذلك أم لم يعلموا.. وشيء آخر: أن الغربيين في مؤسساتهم الاجتماعية كثيراً ما يقتصر الانتفاع بها على أبناء بلادهم، أو مقاطعاتهم، بينما كانت مؤسساتنا الاجتماعية تفتح أبوابها لكل إنسان على الإطلاق، بقطع النظر عن جنسه أو لغته أو بلده أو مذهبه.. وفارق ثالث: أننا أقمنا مؤسسات اجتماعية لوجوه من الخير والتكافل الاجتماعي لم يعرفها الغربيون حتى اليوم، وهي وجوه تبعث على العجب والدهشة، وتدل على أن النزعة الإنسانية في أمتنا كانت أشمل وأصفى وأوسع أفقاً من كل نزعة إنسانية لدى الأمم الأخرى. وقبل أن نفيض في الحديث عن تعدد وجوه البر في المؤسسات الاجتماعية في عصور حضارتنا يجب أن نلم بمبادئ حضارتنا في هذا الميدان، وهي المبادئ التي عملت عملها في نفوس أمتنا فدفعتها إلى إنشاء هذه المؤسسات دفعاً لا نعرف له مثيلاً في أمم أخرى.
ينادي الإسلام بالدعوة إلى الخير نداء تنهزم معه النفس الإنسانية بواعث الشح ووسوسة الشيطان في التخويف من الفقر، فيقول القرآن بعد الحث على الإنفاق: )الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ((1). ويعمم الدعوة إلى الخير على كل مقتدر، بل كل إنسان، فقيراً كان أو غنياً.
ولقد كان مما شكاه الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الأغنياء يسبقونهم في فعل الخيرات إذ يتصدقون بأموالهم ولا يجد هؤلاء الفقراء ما يتصدقون به، فبيّن الرسول عليه السلام أن فعل الخير ليست وسيلته المال فحسب، بل كل نفع للناس فهو من عمل الخير: (إن لكم بكل تسبيحة صدقة، وأمـر بمعـروف صدقـة، ونهي عـن المنكر صدقة، وفي إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأن تصلح بين اثنين صدقة، وأن تعين الرجل على دابته فتحمله عليها صدقة)(2). وهكذا يفتح الإسلام أبواب الخير للناس جميعاً.
ويسمو الإسلام بالنفوس إلى أعلى أفق من النزعة الإنسانية الكاملة حين يجعل البر لجميع عباد الله مهما كانت أديانهم ولغاتهم وأوطانهم وأجناسهم فيقول: (الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إليهم أنفعهم لعياله)(3).
لما نزل قول الله تبارك وتعالى: )مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً((4). قال صحابي يسمى أبا الدحداح: أو يستقرض الله من عبده يا رسول الله؟! قال: نعم، فقال: أمدد يا رسول الله يدك، فأشهده أنه تصدق ببستانه الذي لا يملك غيره، وكان فيه سبعمائة نخلة مثمرة، ثم عاد إلى زوجه، وكانت تقيم هي وأولادها في هذا البستان، فأخبرها بما صنع، وغادرت هي وأولادها البستان وهي تقول له: ربح بيعك يا أبا الدحداح.. ولمـا نزل قـول الله تبارك وتعالى: )لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ((5). قال أبو طلحة الأنصاري: يا رسول الله، إن أحب أموالي إليّ بيرحاء – وهي بئر طيبة الماء – وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله تبارك وتعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال عليه السلام: (بخ بخ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، حبّس الأصل وسبّل الثمرة)(6). وكانت هذه الصدقة أول وقف في الإسلام.. ومن هنا نشأ (الوقف)، وهو الذي كان يمد كل المؤسسات الاجتماعية بالموارد المالية التي تعينها على أداء رسالتها الإنسانية النبيلة.
كانت هذه المؤسسات نوعين: نوعاً تنشئة الدولة وتوقف عليه الأوقاف الواسعة، ونوعاً ينشئه الأفراد من أمراء وقواد وأغنياء ونساء. ولا نستطيع في مثل هذا الحديث أن نعدد أنواع المؤسسات الخيرية كلها، ولكن حسبنا أن نلمّ بأهمها:
فمـن أول المـؤسسـات الخيرية المساجد، وكان الناس يتسابقون إلى إقامتها ابتغاء وجه الله، بل كان الملوك يتنافسون في عظمة المساجد التي يؤسسونها، وحسبنا أن نذكر هنا مبلغ ما أنفقه الوليد بن عبد الملك من أموال بالغة على بناء الجامع الأموي، مما لا يكاد يصدقه الإنسان لكثرة ما أنفق من مال وما استخدم في إقامته من رجال.
ومن أهم المؤسسات الخيرية المدارس والمستشفيات، وسنفرد لها حديثاً خاصاً إن شاء الله.
ومن المؤسسات الخيرية بناء الخانات والفنادق للمسافرين المنقطعين وغيرهم من ذوي الفقر، ومنها التكايا والزوايا التي ينقطع فيها من شاء لعبادة الله عز وجل، ومنها بناء بيوت خاصة للفقراء يسكنها من لا يجد ما يشتري به أو يستأجر داراً، ومنها السقايات أي تسبيل الماء في الطرقات العامة للناس جميعاً، ومنها المطاعم الشعبية التي كان يفرق فيها الطعام من خبز ولحم وحساء (شوربة) وحلوى، ولا يزال عهدنا قريباً بهذا النوع في كل من تكية السلطان سليم، وتكية الشيخ محيي الدين بدمشق، ومنها بيوت للحجاج في مكة ينزلونها حين يفدون إلى بيت الله الحرام، وقد كثرت هذه البيوت حتى عمت أرض مكة كلها، وأفتى بعض الفقهاء ببطلان إجارة بيوت مكة في أيام الحج لأنها كلها موقوفة على الحجاج، ومنها حفر الآبار في الفلوات لسقي الماشية والزروع والمسافرين،، فقد كانت كثيرة جداً بين بغداد ومكة، وبين دمشق والمدينة، وبين عواصم المدن الإسلامية ومدنها وقراها، حتى قل أن يتعرض المسافرون – في تلك الأيام – لخطر العطش. ومنها أمكنة المرابطة على الثغور لمواجهة خطر الغزو الأجنبي على البلاد، فقد كانت هنالك مؤسسات خاصة بالمرابطين في سبيل الله، يجد فيها المجاهدون كل ما يحتاجون إليه من سلاح وذخيرة وطعام وشراب، وكان لها أثر كبير في صد غزوات الروم أيام العباسيين، وصد غزوات الغربيين في الحروب الصليبية عن بلاد الشام ومصر.
ويتبع ذلك وقف الخيول والسيوف والنبال وأدوات الجهاد على المقاتلين في سبيل الله عز وجل، وقد كان لذلك أثر كبير في رواج الصناعة الحربية وقيام مصانع كبيرة لها في بلادنا، حتى كان الغربيون في الحروب الصليبية، يفدون إلى بلادنا – أيام الهدنة – ليشتروا منا السلاح، وكان العلماء يفتون بتحريم بيعه للأعداء، فانظر كيف انقلب الأمر الآن فأصبحنا عالةً على الغربيين في السلاح لا يسمحون لنا به إلا بشروط تقضي على كرامتنا واستقلالنا.
ومن المؤسسات الاجتماعية ما كانت وقفاً لإصلاح الطرقات والقناطر والجسور، ومنها ما كانت للمقابر يتبرع الرجل بالأرض الواسعة لتكون مقبرة عامة.
ومنها ما كان لشراء أكفان الموتى الفقراء وتجهيزهم ودفنهم، أما المؤسسات الخيرية لإقامة التكافل الاجتماعي، فقد كانت عجباً من العجب، فهناك مؤسسات للقطاء واليتامى ولختانهم ورعايتهم، ومؤسسات للمقعدين والعميان والعجز، يعيشون فيها موفوري الكرامة لهم كل ما يحتاجون من سكن وغذاء ولباس وتعليم أيضاً.
وهناك مؤسسات لتحسين أحوال المساجين ورفع مستوى تغذيتهم بالغذاء الواجب لصيانة صحتهم، ومؤسسات لإمداد العميان والمقعدين بمن يقودهم ويخدمهم.
ومؤسسات لتزويج الشباب والفتيان العزّاب ممن تضيق أيديهم أو أيدي أوليائهم عن نفقات الزواج وتقديم المهور.. فما أروع هذه العاطفة وما أحوجنا إليها اليوم!
ومنها مؤسسات لإمداد الأمهات بالحليب والسكر، وهي أسبق في الوجود من جمعية نقطة الحليب عندنا، مع تمحُّضها للخير الخالص لله عز وجل، وقد كان من مبرات صلاح الدين أنه جعل في أحد أبواب القلعة – الباقية حتى الآن في دمشق – ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزاباً آخر يسيل منه الماء المذاب فيه السكر، تأتي إليه الأمهات يومين في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.
وآخر ما نذكره من هذه المؤسسات، المؤسسات التي أقيمت لعلاج الحيوانات المريضة، أو لإطعامها، أو لرعايتها حين عجزها، كما هو شأن المرج الأخضر في دمشق الذي يُقام عليه الملعب البلدي الآن، فقد كان وقفاً للخيول والحيوانات العاجزة المسنة ترعى منه حتى تلاقي حتفها.
أما بعد، فهذه ثلاثون نوعاً من أنواع المؤسسات الخيرية التي قامت في ظل حضارتنا، فهل تجد لها مثيلاً في أمة من الأمم السابقة؟ بل هل تجد لكثير منها مثيلاً في ظل الحضارة الراهنة؟.. اللهم إنه سبيل الخلود تفردنا به وحدنا يوم كانت الدنيا كلها في غفلة وجهل وتأخر وتظالم.. اللهم إنه سبيل الخلود كشفنا به عن الإنسانية المعذبة أوصابها وآلامها.. فما هو سبيلنا اليوم؟ أين هي تلك الأيدي التي تمسح عبرة اليتيم، وتأسو جراح الكليم، وتجعل من مجتمعنا مجتمعاً متراصاً، ينعم فيه الناس جميعاً بالأمن والخير والكرامة والسلام.؟..
------------------------
(1) البقرة- 268.(2) رواه البخاري ومسلم.(3) رواه الطبراني وعبد الرزاق.(4) البقرة- 245.
(5) آل عمران- 92.(6) تفسير ابن كثير.
الاثنين، ١٧ ديسمبر ٢٠٠٧
أخلاقنا الحربية : وإليكم جانباً جديداً من جوانب النزعة الإنسانية في حضارتنا، وهو جانب تنفرد به حضارتنا ، إن حسن الخلق، ولين الجانب، والرحمة بالضعيف، والتسامح مع الجار والقريب، تفعله كل أمة في أوقات السلم مهما أوغلت في الجهل،ولكن حسن المعاملة في الحرب، ولين الجانب مع الأعداء، والرحمة بالنساء والأطفال والشيوخ، والتسامح مع المغلوبين، لا تستطيع كل أمة أن تفعله، ولا يستطيع كل قائد حربي أن يتصف به ، إن رؤية الدم تثير الدم، والعداء يؤجج نيران الحقد والغضب، ونشوة النصر تسكر الفاتحين فتوقعهم في أبشع أنواع التشفي والانتقام، ذلك هو تاريخ الدول قديمها وحديثها، بل هو تاريخ الإنسان منذ سفك قابيل دم أخيه هابيل: ( إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآَخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَـالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِـنَ الْمُتَّقِينَ)(1).وهنا يضع التاريخ إكليل الخلود على قادة حضارتنا عسكريين ومدنيين، فاتحين وحاكمين، إذ انفردوا من بين عظماء الحضارات كلها بالإنسانية الرحيمة العادلة في أشد المعارك احتداماً، وفي أوقات الحالات التي تحمل على الانتقام والثأر وسفك ، وأقسم لولا أن التاريخ يتحدث عن هذه المعجزة الفريدة في تاريخ الأخلاق الحربية بصدق لا مجال للشك فيه، لقلت إنها خرافة من الخرافات، وأسطورة لا ظل لها على الأرض!، حضارتنا والعالم كله يسير على سنة الغاب. القوى يقتل الضعيف، والمسلّح يسترق الأعزل، والحرب شرعة معترف بها بين جميع الشرائع والديانات والأمم والشعوب، من غير قيدٍ ولا حدّ، ومن غير تفريق بين حرب جائزة وحرب ظالمة، فكل من استطاع أن يغلب أمة على أرضها ويكرهها على عقيدتها، ويسترق رجالها ونساءها، فعل من غير تحرج ولا تأثم. فلم ترضّ حضارتنا أن تقر هذه الشرعة الظالمة التي تردت فيها الإنسانية إلى مستوى الحيوانية الشرسة، بل أعلنت أن الأصل في العلائق بين الأمم التعارف والتعاون: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)(2) وبذلك كان السلم هو العلاقة الطبيعية بين الشعوب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)(3) فإذا أبت أمة إلا الحرب والعدوان على أمة أخرى، كان على هذه الأمة أن تستعد لمجابهة العدوان، فإن ترك الاستعداد يغري بالعدوان ويسرع به: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)(4). فإذا عدلت تلك الأمة عن نية العدوان ورهبت السلم المسلح، كان على الأخرى أن تركن إلى السلم وتحرص عليه: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)(5). وإن أبت إلا الحرب، فالقوة تدفع القـوة، والعـدوان يـدفع بمثله: ( وَقَاتِلُوا فِـي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)(6). وهنا تعلن مبادئ حضارتنا تحريم الحروب للغزو ونهب الأموال، وإذلال كرامة الشعوب، إنما الحرب المشروعة ما كانت إلا لغايتين اثنتين:1- دفاع عن عقيدة الأمة وأخلاقها.2- ودفاع عن حرية الشعب واستقلاله وسلامه، (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)(7). وليست حرية العقيدة هي المطلوبة للأمة التي تعلن الحرب فحسب، بل عليها أن تضمن حرية العقائد كلها، وتحمي أماكن العبادة لكل الديانات: ( وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا)(8). وأروع ما نادت به حضارتنا أن الدفاع عن الضعفاء المستذلين في الشعوب الأخرى واجب علينا كما يجـب الـدفاع عـن حريتنـا وكرامتنا: (وَمَا لَكُـمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا)(9).وإذا كانت هذه الغاية من حروب حضارتنا، لم يجز لها حين تعلن الحرب في سبيل الحق والخير أن تنقلب إلى أداة تصنع الباطل والشر. ومن أجل ذلك كان من مبادئ حضارتنا في الحرب أن لا تقاتل إلا من يقاتلها ويعتدي عليها: ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)(10). فإذا قامت الحرب كان علينا أن لا ننسى مبادئنا فنقسو ونفسد ونظلم وننشر الخراب -كلا- فالحرب الإنسانية الخالصة لله يجب أن تظل إنسانية في وسائلها وعند اشتداد وطيسها। ومن هنا جاءت الوصايا التي لم يسبق لها في التاريخ: (لا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيـراً، ولاشيخاً كبيراً، ولا امـرأة، ولا تعقـروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له)(11).أريت كيف تكون الحرب الإنسانية التي تشرع في سبيل الله لا للشر والعدوان؟॥ وتستمر هذه الحرب متقيدة بهذه المبادئ الإنسانية الرحيمة حتى تنتهي بأحد أمرين: إما الصلح، وإما النصر. أما الصلح فالعهود فيه محترمة، والوفاء بما تضمنته واجب: ) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً((12). وأما النصر، فهو انتصار الجماعة التي غضبت للحق واستشهدت في سبيله. فلن تفعل حين انتصارها إلا ما يوطد أركان الحق في الأرض، ويمنع البغي والفساد بين الناس: )الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّـهِ عَاقِبَةُ الأُمُـورِ((13). وهـذا كما ترون تحديد لأعمال الدولة المنتصرة ورسالتها بعد النصر: سمو بالروح، وعدالة في المجتمع وتعاون على الخير ونفع الناس، ومكافحة للشر والفساد في الأرض.هذه هي مبادئ الحرب في حضارتنا، وتلك هي أخلاقنا الحربية: عدل ورحمة ووفاء.وليس يكفي هذا في رأينا للإشارة بروح حضارتنا المسالمة في الحرب، فالمبادئ وحدها ليست دليلاً على سمو أمة وإنسانيتها. ولطالما رأينا أمما تحمل للناس أرفع المبادئ وهي تعيش معهم في أقساها وأخسها وأبعدها عن الإنسانية والرحمة!ولنبدأ قبل كل شيء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو رائد حضارتنا وواضع أساسها وشريعتها، وهو التعبير الصادق عن أخلاقها وأهدافها ورسالتها، ولسنا نعلم أحداً من الأنبياء والمرسلين والمصلحين عُذب واضطهد وأوذي في سبيل دعوته كما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثلاثة عشر عاماً في مكة كلها كيد وأذى وسب وتعذيب له ولجماعته، ومؤامرات على حياته وحياة أصحابه. وعشر سنوات في المدينة.. هي كفاح ومعارك متواصلة، لم يخلع فيها لباس الحرب إلا حين خضعت له جزيرة العرب قبيل وفاته! ومن خاض الحروب وحمل السيف، وقاتل وقوتل، وعودي واضطهد، كان من أشد الناس شوقاً إلى الدماء وظمأ إلى الانتقام. فكيف كان خلق رسول الله في حروبه؟ كيف طبق صاحب الحضارة مبادئها التي أعلنها للناس؟..في معركة أُحد قُتل أسد الله حمزة، عم النبي وأشهر أبطال العرب، قتله رجل يقال له وحشي، بتحريض من هند زوج أبي سفيان. ولما خر البطل، أخذت هند تفتش عن قلب حمزة حتى احتزته، ثم مضغته مبالغة في التشفي والانتقام! ثم أسلمت هند وأسلم وحشي. فماذا كان من رسول الله؟ لم يزد على أن استغفر لهند، وقبل إسلام وحشي وقال له: إن استطعت أن تعيش بعيداً عنا فافعل. هذا كل ما كان من رسول الله مع قاتل عمه حمزة ومع ماضغة قلبه!ورأى في بعض حروبه امرأة من الأعداء مقتولة، فغضب وأنكر وقال: ألم أنهكم عن قتل النساء؟ ما كانت هذه لتقاتل. هذا هو رسول الله المحارب يطبق مبادئه الإنسانية وهو يخوض الغمار ويقود الكتائب.ولما فتح مكة ودخلها الرسول ظافراً على رأس عشرة آلاف من أبطاله وجنوده، واستسلمت قريش، ووقفت تحت قدميه على باب الكعبة، تنتظر حكم الرسول عليها بعد أن قاومته إحدى وعشرين سنة.. ما زاد صلى الله عليه وسلم على أن قال: يا معشر قريش: ماذا تظنون أني فاعل بكم؟قالوا خيراً: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اليوم أقول لكم ما قال أخي يوسف من قبل: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. إذهبوا فأنتم الطلقاء.. إنه أيها الناس محمد الرسول معلم الإنسانية الخير، لا القائد السفاح الذي يسعى لمجده وسلطانه فتسكره نشوة النصر.وسيرة أصحابه وخلفائه من بعده في حروبهم وفتوحاتهم كانت قبساً من هذا النور، وسيراً في هذا الطريق، وتنفيذاً لتلك المبادئ، لم يفقدوا أعصابهم في أشد الأوقات حرجاً، ولم ينسوا مبادئهم في أعظم الفتوحات انتصاراً.ثار بعض سكان لبنان على عاملها علي بن عبد الله بن عباس، فحاربهم وانتصر عليهم، ورأى من الحكمة أن يفرقهم ويجلي فريقاً منهم عن ديارهم إلى أماكن أخرى، وهذا أقل ما يمكن أن يفعله اليوم حاكم في أرقى الأمم، فما كان من الإمام الأوزاعي، إمام الشام ومجتهدها وعالمها، إلا أن كتب إلى والي لبنان رسالة ينكر عليه ما فعل، من إجلاء بعض اللبنانيين عن قراهم، ومعاقبة من لم يشترك في الثورة كمن اشترك فيها. فما كان من والي لبنان إلا أن ردهم إلى قراهم معززين مكرمين!ولما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز، وفد إليه قوم من أهل سمرقند، فرفعوا إليه أن قتيبة قائد الجيش الإسلامي فيها دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين غدراً بغير حق. فكتب عمر إلى عامله هناك أن ينصب لهم قاضياً ينظر فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج المسلمين من سمرقند أخرجوا. فنصب لهم الوالي (جميع بن حاضر الباجي) قاضياً ينظر في شكواهم، فحكم القاضي وهو مسلم، بإخراج المسلمين! على أن ينذرهم قائد الجيش الإسلامي بعد ذلك، وينابذهم وفقاً لمبادئ الحرب الإسلامية، حتى يكون أهل سمرقند على استعداد لقتال المسلمين فلا يؤخذوا بغتة. فلما رأى ذلك أهل سمرقند، رأوا ما لا مثيل له في التاريخ من عدالة تنفذها الدولة على جيشها وقائدها! قالوا: هذه أمة لا تحارب، وإنما حكمها رحمة ونعمة. فرضوا ببقاء الجيش الإسلامي، وأقروا أن يقيم المسلمون بين أظهرهم.ولما فتحت جيوشنا الظافرة دمشق وحمص وبقية المدن السورية، وأخذوا من أهلها مبالغ من المال صلحاً لقاء حمايتهم والدفاع عنهم، رأى قادتنا بعد أن جمع هرقل لهم الجموع لينازلهم في معركة فاصلة، أن يخلوا المدن المفتوحة ويتجمعوا في مكان واحد ينازلون به الروم مجتمعين. وخرج جيشنا من حمص ودمشق والمدن الأخرى، وجمع خالد أهل حمص وأبو عبيدة أهل دمشق، وغيرهما من القادة أهل المدن الأخرى وقالوا لهم: إنا كنا قد أخذنا منكم أموالاً على أن نحميكم وندافع عنكم، ونحن الآن خارجون عنكم لا نملك حمايتكم، فهذه أموالكم نردها إليكم! فقال أهل المدن: ردكم الله ونصركم، والله لحكمكم وعدلكم أحب إلينا من جور الروم وظلمهم. والله لو كانوا مكانكم لما دفعوا إلينا شيئاً أخذوه، بل كانوا يأخذون معهم كل شيء يستطيعون حمله!وفي حروب التتار في بلاد الشام، وقع بأيديهم كثير من أسرى المسلمين والنصارى واليهود، ثم تدخل شيخ الإسلام ابن تيمية مع أمير التتار في أمر الأسرى وفكّ أسرهم، فأجابه الأمير إلى فك أسرى المسلمين فقط دون النصارى واليهود، فأبى شيخ الإسلام ذلك وقال له: لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة.حين وصل الصليبيون في الحملة الثانية إلى معرة النعمان حاصروها حتى اضطر أهلها للاستسلام، بعد أن أخذوا من رؤساء الحملة عهوداً مؤكدة بالمحافظة على النفوس والأموال والأعراض. فما كادوا يدخلونها حتى ارتكبوا من الفظائع ما تشيب له الولدان. وقدّر بعض المؤرخين الإفرنج الذين كانوا في هذه الحملة عدد الذين قتلوهم بين رجال ونساء وأطفال بمائة ألف! ثم تابعوا سيرهم إلى بيت المقدس، وشددوا الحصار على أهلها، ورأى أهلها أنهم مغلوبون لا محالة فطلبوا من قائد الحملة (طنكرد) الأمان على أنفسهم وأموالهم. فأعطاهم رايته يرفعونها على المسجد الأقصى ويلجأون إليه آمنين على كل شيء. ودخلوا المدينة بعد ذلك، فيا لهول المجزرة، ويا لقسوة الإجرام!.. لجأ سكان القدس إلى الأقصى الذي رفعوا فوقه راية الأمان، حتى إذا امتلأ بمن فيه من شيوخ وأطفال ونساء ذُبحوا ذبح النعاج، فسالت الدماء في المعبد حتى ارتفعت إلى ركبة الفارس. وطهرت المدينة بذبح كل من فيها تماماً، حتى كانت شوارعها تعج بالجماجم المحطمة والأذرع والأرجل المقطعة، والأجسام المشوهة. ويذكر مؤرخونا أن عدد الذين ذبحوا في داخل المسجد الأقصى فقط سبعين ألفاً! منهم جماعة كبيرة من الأئمة والعباد والزهاد فضلاً عن النساء والأطفال. ولا ينكر مؤرخو الفرنج هذه الفظائع، وكثير منهم يتحدثون عنها فخورين!وبعد 90 سنة من هذه المجزرة فتح صلاح الدين بيت المقدس فماذا فعل؟ لقد كان فيها ما يزيد على مائة ألف غربي بذل لهم الأمان على أنفسهم وأموالهم، وسمح لهم بالخروج لقاء مبلغ قليل يدفعه المقتدرون منهم، وأعطاهم مهلة للخروج أربعين يوماً، فجلى منها أربعة وثمانون ألفاً لحقوا بإخوانهم في عكا وغيرها، ثم أطلق كثيراً من الفقراء من غير الفدية. وأدى أخوه الملك العادل الفدية عن ألفي رجل منهم. وعامل النساء معاملة لا تصدر عن أرقى ملك منتصر في العصر الحديث. ولما أراد البطريرك الإفرنجي أن يخرج، سمح له بالخروج ومعه من أموال البِيَع والصخرة والأقصى والقيامة ما لا يعلمه إلا الله.واقترح بعض حاشية صلاح الدين عليه أن يأخذ ذلك المال العظيم، فأجابه السلطان: (لا أغدر به) ولم يأخذ منه إلا ما كان يأخذه من كل فرد. ومما يزيد في روعة هذا العمل الإنساني الذي عمله صلاح الدين في فتح بيت المقدس، أنه أرسل مع جماهير الغربيين الذين نزحوا من القدس لينضموا إلى إخوانهم من يحميهم ويوصلهم إلى أماكن الصليبيين في صور وصيدا بأمان، مع أنه لا يزال في حرب معهم!إن قصة صلاح الدين مع الغربيين في الحروب الصليبية تشبه الأساطير. ولولا أن الغربيين أنفسهم لا يكاد ينتهي عجبهم من نبل هذا البطل الخالد وسمو أخلاقه، لكان مجال لاتهام مؤرخينا بالمبالغة. والغربيون أنفسهم هم الذين يذكرون عن صلاح الدين أنه بلغه مرض ريتشارد قلب الأسد – أكبر قواد الحملات الصليبية وأشجعهم – فأرسل إليه صلاح الدين طبيبه الخاص يحمل إليه العلاج والفواكه التي لا يمكن أن يحصل عليها ذلك القائد الصليبي. هذا والحرب بينهما مستعرة، وجيشاهما في صراع! وهم الذين يذكرون أن امرأة غربية ألقت بنفسها على خيمة السلطان صلاح الدين تبكي وتولو وتشكو إليه أن اثنين من جنود جيشه خطفا لها ولدها، فبكى صلاح الدين وأرسل من يفتش عن الولد حتى وجدوه وسلّم إليها. وأرسلت بحراسة الجيش إلى معسكرها آمنة مطمئنة، فماذا يقول قائل بعد هذا؟..ولما فتح السلطان محمد الثاني القسطنطينية، دخل إلى كنيسة آيا صوفيا، وكان قد لجأ إليها رجال الكنيسة، فأحسن استقبالهم وأكد حمايته لهم، وطلب من المسيحيين الفزعين الموجودين فيها أن يذهبوا إلى بيوتهم آمنين. ثم نظم شؤون المسيحيين، فترك لهم حق اتباع كنائسهم الخاصة، وقوانينهم المالية، وتقاليدهم المتعلقة بأحوالهم الشخصية. وترك للقساوسة انتخاب بطريرك لهم، فانتخبوا (جناديوس) واحتفل السلطان بانتخابه بنفس الأبهة التي كانت متبعة في عهد البيزنطيين، وقال له: لتكن بطريركاً على صداقتي في كل وقت وظرف، ولتتمتع بكل الحقوق والامتيازات التي كانت لمن سبقك. ثم أهداه فرساً جميلاً، وجعل له حرساً خاصاً من الإنكشارية (وهم حرس السلطان الخاص) وصحبه (باشاوات) الدولة إلى المكان الذي أعد له، ثم أعلن السلطان الفاتح اعترافه بقوانين الكنيسة الأرثوذكسية، ووضعها تحت رعايته، وجمعت واشتريت كل آثار القديسيين ومخلفاتهم التي نهبت يوم الفتح، وسلمت إلى الكنائس والأديرة!ولا أريد أن أفيض في المقارنة بين أخلاق الفاتحين المسلمين في الأندلس، وحسن معاملتهم للمغلوبين، ورحمتهم بهم ورعايتهم لشعورهم، وبين ما فعله الإسبان حين استولوا على غرناطة (آخر مملكة للإسلام في الأندلس)، بعد أن أعطوا المسلمين، بضعاً وستين عهداً باحترام ديانتهم ومساجدهم وأموالهم وأغراضهم، ولكنهم لم يرعوا عهداً، ولم يفوا بذمة، ولم يعفوا عن سفك الدماء وإزهاق الأرواح وسلب الثروات، فلم يكد يمضي على سقوط غرناطة اثنان وثلاثون سنة حتى أصدر البابا أمره عام 1524 بتحويل جميع مساجد أسباني إلى كنائس! ولم تمر بعد ذلك أربع سنوات أخرى حتى لم يبق في إسبانيا كلها مسلم واحد! هذا هو وفاؤهم بالعهود.. وذلك هو وفاؤنا.وبعد.. فلماذا نذهب بعيداً وهذه أخلاق الغربيين المستعمرين في الحربين العالميتين وآثار قسوتهم فيها، وها هي أخلاقهم في الشرق العربي والإسلامي، ناطقة على مدى القسوة التي تتصف بها ضمائرهم في حروبهم وحكمهم، وعلى مدى النفاق الذي بلغوه حين يعلنون في المحافل الدولية إنسانيتهم ورحمتهم، وهم في حروبهم ومستعمراتهم والبلدان الخاضعة لحكمهم يعلنون وحشيتهم وضراوتهم. ولئن كان بعض الناس يعتذر عن فظائع الغربيين في القرون الوسطى بأنهم قوم لم تهذبهم المدنية بعد، فما هو عذرهم الآن وهم أرباب الحضارة وأساتذة الدنيا في العلوم والفنون والمخترعات؟ إن المسألة في رأينا مسألة طبع أصيل يغلب كل تطبع وتصنع. لعمري ما نحن وهم إلا كما قال الشاعر:ملكنـا فكان العفو منا سجية فلما ملكتم سال بالدم أبطحوما عجب هذا التفاوت بيننا فكل إناء بالذي فيه ينضح---------------------(1) المائدة- 27. (2) الحجرات- 13. (3) البقرة- 208. (4) الأنفال- 60. (5) الأنفال- 61. (6) البقرة- 190. (7) البقرة- 193. (8) الحج- 40. (9) النساء- 75. (10) البقرة- 194. (11) من وصية أبي بكر لجيش أسامة. (12) النحل- 91. (13) الحج- 41.
السبت، ١٥ ديسمبر ٢٠٠٧
التسامح الديني في حضارتنا ...
لقد أنشأ الإسلام حضارتنا فلم يضق ذرعاً بالأديان السابقة، ولم يتعصب دون الآراء والمذاهب المتعددة، بل شعاره (فَبَشِّرْ عِبَادِ . الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)1) ومن أجل ذلك كان من مبادئ حضارتنا في التسامح الديني:
1- أن الأديان السماوية كلها تستقي من معين واحد: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)(2).
2- وأن الأنبياء إخوة لا تفاضل بينهم من حيث الرسالة، وأن على المسلمين أن يؤمنوا بهم جميعاً(قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)3).
3- وأن العقيدة لا يمكن الإكراه عليها، بل لابد فيها من الإقناع والرضا (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)(4). (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(5).
4- وأن أماكن العبادة للديانات الإلهية محترمة يجب الدفاع عنها وحمايتها كحماية مساجد المسلمين (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا)6).
5- وأن الناس لا ينبغي أن يؤدي اختلافهم في أديانهم إلى أن يقتل بعضهم بعضاً، أو يتعدى بعضهم على بعض، بل يجب أن يتعاونوا على فعل الخير ومكافحة الشر (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)7). أما الفصل بينهم فيما يختلفون فيه فلله وحده هو الذي يحكم بينهم يوم القيامة (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)8).
6- وأن التفاضل بين الناس في الحياة وعند الله بمقدار ما يقدم أحدهم لنفسه وللناس من خير وبر (الخلق كلهم عيـال الله فأحبهم إليـه أنفعهم لعياله)(9). (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)10).
7- وأن الاختلاف في الأديان لا يحول دون البر والصلة والضيافة: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)11).
8- وإن اختلف الناس في أديانهم فلهم أن يجادل بعضهم بعضاً فيها بالحسنى، وفي حدود الأدب والحجة والإقناع: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)12) ولا تجوز البذاءة مع المخالفين، ولا سب عقائدهم ولو كانوا وثنيين: (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)13).
9- فإذا اعتُدي على الأمة في عقيدتها، وجب رد العدوان لحماية العقيدة ودرء الفتنة: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)(14). (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ)15).
10- فإذا انتصرت الأمة على من اعتدى عليها في الدين، أو أراد سلبها حريتها، فلا يجوز الانتقام منهم بإجبارهم على ترك دينهم، أو اضطهادهم في عقائدهم، وحسبهم أن يعترفوا بسلطان الدولة ويقيموا على الإخلاص لها حتى يكون (لهم ما لنا وعليهم ما علينا).
وعلى هذه الأسس قامت حضارتنا، وبها رأت الدنيا لأول مرة ديناً ينشئ حضارة فلا يتعصب على غيره من الأديان، ولا يطرد غير المؤمنين به من مجال العمل الاجتماعي والمنزلة الاجتماعية. وظل هذا التسامح شرعة الحضـارة
الإسلامية منذ وضع أساسها محمد صلى الله عليه وسلم، حتى أخذت في الانهيار، فضاعت المبادئ، ونسيت الأوامر، وجهل الناس دينهم، فابتعدوا عن هذا التسامح الديني الكريم.
الواقع العملي يؤيد مبادئ التسامح الديني:
لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وفيها من اليهود عدد كبير، كان من أول ما عمله من شؤون الدولة أن أقام بينه وبينهم ميثاقاً تحترم فيه عقائدهم وتلتزم فيه الدولة بدفع الأذى عنهم، ويكونون مع المسلمين يداً واحدة على من يقصد المدينة بسوء. فطبق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ التسامح الديني في البذور الأولى للحضارة الإسلامية.
وكان للرسول جيران من أهل الكتاب، فكان يتعاهدهم ببره ويهديهم الهدايا ويتقبل منهم هداياهم. ولما جاء وفد نصارى الحبشة أنزلهم رسول الله في المسجد، وقام بنفسه على ضيافتهم وخدمتهم، وكان مما قاله يومئذ: إنهم كانوا لأصحابنا مكرِمين فأحب أن أكرمهم بنفسي.
وجاء مرة وفد نصارى نجران فأنزلهم في المسجد وسمح لهم بإقامة صلاتهم فيه، فكانوا يصلون في جانب منه، ورسول الله والمسلمون يصلون في جانب آخر. ولما أرادوا أن يناقشوا الرسول في الدفاع عن دينهم، استمع إليهم وجادلهم، كل ذلك برفق وأدب وسماحة خلق.
وعلى هدي الرسول الكريم في تسامحه الديني ذي النزعة الإنسانية الرفيعة سار خلفاؤه من بعده. فإذا بنا نجد عمر بن الخطاب حين يدخل بيت المقدس فاتحاً يجيب سكانها المسيحيين إلى ما اشترطوه: من أن لا يساكنهم فيها يهودي، وتحين صلاة العصر وهو في داخل كنيسة القدس الكبرى، فيأبى أن يصلي فيها كيلا يتخذها المسلمون من بعدُ ذريعة للمطالبة بها واتخاذها مسجداً! ونجده وقد شكت إليه امرأة مسيحية من سكان مصر أن عمرو بن العاص قد أدخل دارها في المسجد كرهاً عنها، فيسأل عمراً عن ذلك فيخبره أن المسلمين كثروا وأصبح المسجد يضيق بهم وفي جواره دار هذه المرأة وقد عرض عليها عمرو ثمن دارها وبالغ في الثمن فلم ترض، مما اضطر عمرو إلى هدم دارها وإدخاله في المسجد، ووضع قيمة الدار في بيت المال تأخذه متى شاءت، ومع أن هذا مما تبيحه قوانيننا الحاضرة وهي حالة يعذر فيها عمرو على ما صنع، فإن عمر لم يرض ذلك، وأمر عمراً أن يهدم البناء الجديد من المسجد ويعيد إلى المرأة المسيحية دارها كما كانت!
هذه هي الروح المتسامحة التي سادت المجتمع الذي أظلته حضارتنا بمبادئها فإذا بنا نشهد من ضروب التسامح الديني ما لا نجد له مثيلاً في تاريخ العصور حتى في العصر الحديث!
فمن مظاهر التسامح الديني أن المساجد كانت تجاور الكنائس في ظل حضارتنا الخالدة، وكان رجال الدين في الكنائس يعطون السلطة التامة على رعاياهم في كل شؤونهم الدينية والكنسية، ولا تتدخل الدولة في ذلك، بل إن الدولة كانت تتدخل في حل المشاكل الخلافية بين مذاهبهم وتنصف بعضهم من بعض.
أما حرية رجال الدين في طقوسهم، وإبقاء سلطتهم على رعاياهم دون تدخل الدولة في ذلك، فقد شعر المسيحيون من سكان البلاد بالحرية في ذلك ما لم يشعروا ببعضه في حكم الروم. ولعل أحداً منا لا ينسى موقف السلطان محمد الفاتح حين استولى على القسطنطينية مقر البطريركية الأرثوذكسية في الشرق كله، فقد أعلن يومئذ تأمين سكانها – وكلهم نصارى – على أموالهم وأرواحهم وعقائدهم وصلبانهم وأعفاهم من الجندية، ومنح رؤساءهم سلطة التشريع والفصل في الخصومات التي تقع بين رعاياهم، دون أن تتدخل الدولة فيها! فرأى في ذلك سكان القسطنطينية فرقاً كبيراً بين ما كانوا يعاملون به في عهد البيزنطيين وبين معاملة السلطان محمد الفاتح لهم، إذ كان البيزنطيون يتدخلون في الخلافات المذهبية ويفضلون أتباع كنيستهم على أتباع الكنائس الأخرى.
ومن مظاهر التسامح الديني أن كانت الوظائف تعطى للمستحق الكفء، بقطع النظر عن عقيدته ومذهبه، وبذلك كان الأطباء المسيحيون في العهدين الأموي والعباسي محل الرعاية لدى الخلفاء، وكان لهم الإشراف على مدارس الطب في بغداد ودمشق زمنا طويلا. كان ابن أثال الطبيب النصراني طبيب معاوية الخاص، وكان (سرجون) كتابه. وقد عين مروان (اتناسيوس) مع آخر اسمه إسحاق في بعض مناصب الحكومة في مصر، ثم بلغ مرتبة الرئاسة في دواوين الدولة.
ومن أشهر الأطباء الذين كانت لهم الحظوة عن الخلفاء جرجيس بن بختيشوع، وكان مقرباً من الخليفة المنصور واسع الحظوة عنده.
وكان سلمويه بن بنان النصراني طبيب المعتصم، ولما مات جزع عليه المعتصم جزعاً شديداً، وأمر بأن يدفن بالبخور والشموع على طريقة ديانته!
وكان بختيشوع بن جبرائيل طبيب المتوكل وصاحب الحظوة لديه، حتى أنه كان يضاهي الخليفة في اللباس وحسن الحال، وكثرة المال وكمال المروءة.
وكذلك كانت الحظوة للشعراء والأدباء لدى الخلفاء والأمراء، بقطع النظر عن أديانهم ومذاهبهم. وكلنا يعلم مكانة الأخطل في العهد الأموي.
وكان الأفراد كالخلفاء يصادقون من تروق لهم مصادقتهم بقطع النظر عن دينهم. كان إبراهيم بن هلال (الصابي) أي من الصائبة – وهم قوم المجوس لهم ديانة خاصة بهم – قد بلغ أرفع مناصب الدولة، وتقلد الأعمال الجليلة في تقدمه الشعراء، وكانت بينه وبين زعماء الأدب والعلم من المسلمين صلات حسنة، وصداقات وشيجة، حتى أنه لما مات رثاه الشريف الرضي شيخ الهاشميين العلويين ونقيبهم بقصائد خالدة.
وكانت الحلقات العلمية في حضرة الخلفاء تجمع بين مختلف العلماء على اختلاف أديانهم ومذاهبهم. كانت للمأمون حلقة علمية يجتمع فيها علماء الديانات والمذاهب كلها، وكان يقول لهم: ابحثوا ما شئتم من العلم من غير أن يستدل كل واحد منكم بكتابه الديني، كيلا تثور بذلك مشاكل طائفية.
ومثل ذلك كانت الحلقات العلمية الشعبية. قال خلف بن المثنى: لقد شهدنا عشرة في البصرة يجتمعون في مجلس لا يُعرف مثلهم في الدنيا علماً ونباهة، وهم الخليل بن أحمد صاحب النحو (وهو سني)، والحميري الشاعر (وهو شيعي)، وصالح بن عبد القدوس (وهو زنديق ثنوي)، وسفيان بن مجامع (وهو خارجي صفري)، وبشّار بن بُرد (وهو شعوبي خليع ماجن)، وحمّاد عجرد (وهو زنديق شعوبي)، وابن رأس الجالوت الشاعر (وهو يهودي)، وابن نظير المتكلم (وهو نصراني)، وعمر بن المؤيد (وهو مجوسي)، وابن سنان الحرّاني الشاعر (وهو صابئي)، كانوا يجتمعون فيتناشدون الأشعار ويتناقلون الأخبار، ويتحدثون في جو من الود لا تكاد تعرف منهم أن بينهم هذا الاختلاف الشديد في ديانتهم ومذاهبهم!
ومن مظاهر التسامح الديني في حضارتنا الاشتراك بالأعياد الدينية بمباهجها وزينتها. فمنذ العهد الأموي كانت للنصارى إحتفالاتهم العامة في الشوارع تتقدمها الصُلبان ورجال الدين بألبستهم الكهنوتية. وقد دخل البطريرك ميخائيل مدينة الإسكندرية في احتفال رائع وبين يديه الشموع والصُلبان والأناجيل، والكهنة يصيحون: قد أرسل الرب إلينا الراعي المأمون الذي هو مرقس الجديد. وكان ذلك في عهد هشام بن عبد الملك.
وجرت العادة أيام الرشيد بأن يخرج النصارى في موكب كبير وبين أيديهم الصليب وكان ذلك في يوم عيد الفصـح.
ومن الغريب أن مثل هذه المظاهر من الود ظلت حتى في الحروب الصليبية حيث كان الغرب يشن أقسى الحملات التاريخية على بلاد الإسلام باسم الصليب، وهذا هو الرحالة ابن جُبير يقول لنا في رحلته: ومن أعجب ما يحدث أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين ونصارى، وربما يلتقي الجمعان منهم ويقع المصاف بينهم، ورفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم دون اعتراض. واختلاف القوافل عن مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج غير منقطع، وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم، وهي من الأمنة على غاية، وتجار النصارى يؤدون في بلاد المسلمين ضريبة على سلعهم، والاتفاق بينهم الاعتدال، وأهل الحرب مشتغلون بحربهم، والناس في عافية والدنيا لمن غلب.
وبعد، التسامح الديني في حضارتنا مما لا يعهد له مثيل في تاريخ العصور الماضية، وقد أجمع المؤرخون الغربيون ممن يحترمون الحق على هذا التسامح وأشادوا به.
يقول المستر (درابر) الأمريكي المشهور: إن المسلمين الأولين في زمن الخلفاء لم يقتصروا في معاملة أهل العلم من النصارى النسطوريين ومن اليهود على مجرد الاحترام، بل فوضوا إليهم كثيراً من الأعمال الجسام ورقوهم إلى مناصب الدولة، حتى أن هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة حنا بن ماسويه، ولم يكن ينظر إلى البلد الذي عاش فيه العالم، ولا إلى الدين الذي ولد فيه، بل لم يكن ينظر إلا إلى مكانته من العلم والمعرفة.
ويقول المؤرخ الشهير المعاصر (ولز) في صدر بحثه عن تعاليم الإسلام: (إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم، وإنها لتنفخ في الناس روح الكرم والسماحة، كما أنها إنسانية السمة، ممكنة التنفيذ، فإنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم اجتماعي عما في أية جماعة أخرى سبقتها..) إلى أن يقول عن الإسلام: (إنه مليء بروح الرفق والسماحة والأخوة).
ويقول (رينو) في تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط: (إن المسلمين في مدن الأندلس كانوا يعاملون النصارى بالحسنى، كما أن النصارى كانوا يراعون شعور المسلمين فيختنون أولادهم ولا يأكلون لحم الخنزير).
وإذا كنا قد توسعنا في التدليل على التسامح الديني في حضارتنا، فإنما نريد أن نرد فرية هؤلاء الغربيين المتعصبين على تاريخنا، بأننا كنا قساة أكرهنا الناس على الدخول في ديننا وعاملنا غير المسلمين بكل مذلة واضطهاد. وكان من الخير لهم أن لا يفتحوا على أنفسهم هذا الباب، فإن مخازيهم في التعصب الديني ضد المسلمين في الحروب الصليبية وفي إسبانيا وفي العصر الحاضر مما يطأطؤون منه رؤوسهم حياء وخجلاً، بل إن مخازيهم في اضطهاد بعضهم لبعض مما لا ينكره كل دارس للتاريخ.
ألست ترى معي أن قول غوستاف لوبون: (إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب ولا ديناً سمحاً مثل دينهم) هو إنصاف للحق قبل أن يكون إنصافاً للمسلمين؟!.
(1)الزمر- (17-18).(2) الشورى- 13.(3) البقرة- 136.(4) البقرة- 256.(5) يونس- 99.(6) الحج- 40. (7) المائدة- 2.(8) البقرة- 113. (9) رواه البزار.(10) الحجرات- 13.(11) المائدة- 4.(12) العنكبوت- 46.(13) الأنعام- 108.(14) البقرة- 193.(15) الممتحنة- 9.
الخميس، ١٣ ديسمبر ٢٠٠٧
النزعة الإنسانية في حضارتنا الإسلامية
النزعة الإنسانية : لا يسع الباحث في حضارتنا الخالدة وآثارها إلا أن يعني بالنزعة الإنسانية التي تميزت بها حضارتنا عن كل الحضارات، فنقلت الإنسانية من أجواء الحقد والكراهية والتفرقة والعصبية إلى أجواء الحب والتسامح والتعاون والتساوي أمام الله، ولدى القانون، وفى كيان المجتمع تساويا لا أثر فيه لاستعلاء عرق على عرق، أو فئة على فئة، أو أمة على أمة.. وإن هذه النزعة لتتجلى في مبادئ حضارتنا وتشريعها وواقعها.
أما النزعة الإنسانية في مبادئها فذلك حين يعلن الإسلام أن الناس جميعا خلقوا من نفس واحدة ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً(النساء- 1. فالأصل البشري لأبناء البشـرية قاطبة هـو أصل واحد. ومهما تفرق الناس بعد ذلك إلى أمم وقبائل وبلدان وأجناس، فإنما هو كتفرق البيت الواحد والأخوة من أب واحد وأم واحدة. وما كان كذلك فسبيل هذا الاختلاف في أجناسهم وبلدانهم أن يؤدي إلى تعاونهم وتعارفهم وتلاقيهم على الخير، ومن ذلك انبثق المبدأ الإنساني الخالد) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) الحجرات- 13 . والكل سواء، سواء عند الله في آدميتهم وإنسانيتهم لا تمايز بينهم إلا بالتقوى )إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الحجرات- 13، وهم سواء أمام القانون في الخضوع له، لا تمايز بينهم إلا بالحق ) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ(الزلزلة- (7-8)، وهم سواء في كيان المجتمع، يتأثر قويهم بضعيفهم، ومجموعهم لعلم أفراد منهم (مثل المؤمنين في توادَهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر) رواه مسلم وأحمد.
وأما النزعة الإنسانية في تشريعنا الحضاري، فإنك لتلمس ذلك واضحا في كل باب من أبواب التشريع، في الصلاة يقف الناس جميعا بين يدي الله لا يخصص مكانا لملك أو عظيم أو عالم. وفي الصوم يجوع الناس جوعا واحدا لا يفرد من بينهم أمير، أو غني، أو شريف. وفي الحجّ يلبس الناس لباسًا واحدًا، ويقفون موقفاً واحداً، ويؤدون منسكاً واحداً، لا تمييز بين قاص ودان، وقوي وضعيف، وأشراف وعامة. فإذا انتقلت من ذلك إلى أحكام القانون المدني وجدت الحق هو الشرعة السائدة في العلاقة بين الناس، والعدل هو الغرض المقصود من التشريع، ودفع الظلم هو اللواء الذي يحمله القانون ليفئ إليه مضطهد ومظلوم. فإذا انتقلت من ذلك إلي القانون الجزائي وجدت العقوبة واحدة لكل من يرتكبها من الناس، فمن قتل قُتل، ومن سرق عوقب، ومن اعتدى أُدب، لا فرق بين أن يكون القاتل عالما أو جاهلا، والمقتول أميرا أو فلاحا، ولا فرق بين أن يكون المعتدي أمير المؤمنين، أو صانع النسيج، والمعتدي عليه أعجمياً أو عربياً، شرقياً أو غربياً، فالكل سواء في نظر القانون ) الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى(البقرة- 178.
ويسمو التشريع إلى أرفع من هذا حين يثبت الكرامة الإنسانية للناس جميعا بقطع النظر عن أديانهم وأعراقهم وألوانهم فيقول: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ(الإسراء- 70 هذه الكرامة هي التي تضمن للناس جميعاً حقهم في الحياة والعقيدة والعلم والعيش، هي للناس جميعا، ومن واجب الدولة أن تكفلها لهم على قدم المساواة بلا استثناء. ويسمو التشريع فوق هذا إلى ذروة عالية من السمو الإنساني حين يجعل أساس المثوبة والعقاب للناس لا على ظواهر أفعالهم بل على نواياهم (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم) رواه مسلم ، فالنية هي محل المؤاخذة أو الإثابة: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه أئمة السنة كلهم ، والنية المقبولة عند الله هي نية الخير والنفع للناس وابتغاء وجه الله ومرضاته دون غرض مادي، أو نفع تجاري )وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(الحج- 78.
ويبلغ التشريع أعلى ذروة من النزعة الإنسانية حين يقرر وحدة العوالم كلها من إنسان وحيوان ونبات وجماد وأرض وأفلاك في سلك العبودية لله والخضوع لنواميس الكون، وما أروع ما يطلبه القرآن من المسلم أن يذكره في كل ركعة من ركعات صلاته )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(الفاتحة- (2-3)، إنه لواجب أن يذكر المسلم أنه جزء من الكون مخلوق لإلّه واحد متصف بالرحمة البالغة الشاملة، فليكن المسلم في هذا العالم الذي يعيش فيه وهو محتاج إليه مثالا للرحمة التي يتصف بها الله، وهو غني عن العالمين.
هذه هي مظاهر النزعة الإنسانية في مبادئ حضارتنا وتشريعها حين أُعلنت للناس، فكيف كان واقعها حين حكمت وانتصرت؟ هل ظلت تلك المبادئ ميثاقاً كميثاق حقوق الإنسان في شرعة الأمم تحتفل الدول بذكرى إعلانه يوماً في كل عام، بينما تمتهنه الدول الكبرى في كل ساعة وفي كل يوم وفي كل شهر من شهور السنة؟.. هل ظلت تلك المبادئ حبيسة في البلد الذي أُعلنت فيه كما احتبست مبادئ الثورة الفرنسية في فرنسا وحرِّمت علي مستعمراتها والبلدان الواقعة تحت حكمها أو انتدابها؟ هل نصبت تماثيل جديدة كما نصب تمثال الحرية في نيويورك أول ما يراه القادم إلى تلك الديار، بينما تنطق أعمال أمريكا في خارجها نطقا يلعن الحرية ويهزأ بها ويضطهد عشاقها الأحرار؟.. لنستمع إلى التاريخ فهو أصدق شاهد، لنستمع إلى روائع النزعة الإنسانية في حضارتنا وكيف أعلنتها حقائق ناطقة في تصرفات أفرادها وحكامها:
تغاضب أبا ذر، وهو عربي من غفار، مع بلال الأسود الحبشي مولى أبي بكر رضي الله عنه وتطور النزاع بينهما إلى أن أخذت أبو ذر الحدة فقال لبلال: يا ابن السوداء! فشكاه بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأبي ذر: (أعيرته بأمه؟إنك امرؤ فيك جاهلية)! فقال أبو ذر وقد ظن الجاهلية هي الانحراف الأخلاقي الشهواني الذي لا يأتيه إلا الشباب: على ساعتي هذه من كبر السن؟.. قال: نعم، (هم إخوانكم) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. فندم أبو ذر وتاب حتى أنه أمر بلالا أن يطأه على وجهه مبالغة في التوبة والندم.
وسرقت امرأة من بني مخزوم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وجيء بها إليه لتعاقب، فأهم ذلك قريشا وقالوا: من يشفع لنا عند رسول الله في إسقاط الحد عنها؟ ثم ذكروا أن أسامة بن زيد حبيب إلى قلب الرسول فكلموه في أن يشفع لها عنده، فكلمه بذلك فغضب عليه الصلاة والسلام غضبا شديدا وقال لأسامة: أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام في الناس خطيبا فقال: (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) رواه البخاري ومسلم وأحمد.
ولما كان عهد أبي بكر كان مثال الرئيس المتواضع الذي تملأ الإنسانية قلبه ونفسه، فإذا هو وهو خليفة، يأتي لبنات الحي ممن فقدن آباءهن في الحروب فيحلب لهن غنمهن ويقول: أرجو أن لا تغيرني الخلافة عن خُلق كنت أعتاده من قبل.
وكان عمر مثال الخليفة الغيور على الشعب البار بالضعفاء، الشديد في الحق، الناس عنده سواء، بل يحرم نفسه ليعطي الناس، ويجوع ليشبعوا، وكان يتفقد الناس في بيوتهم ومنازلهم وقصصه في ذلك مشهورة ومعروفة:
رأى مرة في السوق شيخاً كبيراً يسأل الصدقة فقال له: ما أنت يا شيخ؟ قال: أنا شيخ كبير أسأل الجزية والنفقة، وكان يهودياً من سكان المدينة. فإذا بعمر الإنساني العظيم يقول له: ما أنصفناك يا شيخ. أخذنا منك الجزية شاباً ثم ضيعناك شيخاً. وأخذ بيده إلى بيته ففرض له ما كان من طعامه. ثم أرسل إلى خازن بيت المال يقول: إفرض لهذا وأمثاله ما يغنيه ويغني عياله!.. ووضع الجزية عن فقراء أهل الذمة.
ولنستمع إلى ما هو أروع من هذا في تاريخ حضارتنا.. حدث أسلم خادم عمر قال: خرجت مع عمر ليلة وبعدنا عن المدينة ونحن نتفقد أهل المنازل النائية، فبصرنا بنار من بعيد فقال عمر: إني أرى هاهنا ركباناً قصّر بهم الليل والبرد، انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم فإذا بامرأة معها صبيان وقدر منصوبة على نار، وصبيانها يتضاعون (أي يتصايحون ويبكون) فسلّم عمر ثم سأل المرأة ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد، قال وما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع، قال: وأي شيء في القدر؟ ماء أسكتهم به حتى يناموا.. والله بيننا وبين عمر! (تشكو عمر وتدعو عليه) فقال: أي رحمك الله وما يُدري عمر بكم؟ قالت: يتولى أمرنا ثم يغفل عنا؟ فأقبل عليَّ فقال: انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلاً من دقيق، وكبة من شحم، وقال: احمله عليّ، قلت: أنا أحمله عنك: قال: أنت تحمل وزري يوم القيامة لا أم لك؟! فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئاً، فجعل يقول لها: ذري علي وأنا أحرُّ لك، وجعل ينفخ تحت القدر وكانت لحيته عظيمة، فرأيت الدخان يخرج من خلال لحيته حتى طبخ لهم، ثم أنزلها وقال: أبغني شيئاً، فأتته بصفحة فأفرغها فيها، فجعل يقول لها أطعميهم وأنا أسطح لهم (أبسطه حتى يبرد)، فلم يزل حتى شبعوا، وترك عندها فضل ذلك وقام وقمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيراً، كنت بهذا الأمر أولى من أمير المؤمنين! فيقول: قولي خيراً، إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله! ثم تنحى ناحية عنها، ثم استقبلها فربض مربضاً، فقلت له: لك شأن غير هذا؟ فلا يكلمني، حتى رأيت الصبية يصطرعون، ثم ناموا وهدأوا. فقام يحمد الله، ثم أقبل علي فقال: يا أسلم، إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيتَ.
ويأتي عمر يوما شابٌ مصري قبطي يحمل شكوى من ابن حاكم مصر، العربي الشريف عمرو بن العاص.. وقد سابق ابنه محمد يوماً، فسبقه القبطي.. فضربه ابن عمرو بن العاص وهو يقول: (أتسبقني وأنا ابن الأكرمين).. فيستدعي عمر الحاكم وابنه.. ويناول القبطي الدرة ويقول له: (اضرب ابن الأكرمين).. فيقتص القبطي من ابن حاكم بلده.. ثم يقول عمر: (أدرها على صلعة عمرو.. فما ضربك إلا بسلطان أبيه).. ثم يلتفت إلى عمرو بن العاص وابنه ويعلنها مدوية خالدة.. (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)؟!
وبعد فليس عمر وحده هو الذي صنعته حضارتنا رجلاً يمثل الإنسانية الكاملة الرحيمة، ففي أبي بكر وفي عثمان وفي علي وفي عمر بن عبد العزيز وفي صلاح الدين وفي غيرهم من علماء حضارتنا وعظمائها وقادتها وعبّادها وفلاسفتها، في كل واحد من هؤلاء مثلٌ خالد على سمو النزعة الإنسانية في حضارتنا الخالدة.

